سلمت لنا يا أردن التضحيات

الاردن، البحر الميت،
2018-10-28 03:45:30
ياسين بني ياسين

سما الاردن | إن العين دامعة، وإن الفؤاد كسير، وإن القلب حزين، وإن النفس تغمرها الحسرة والألم من هول الفاجعة! إن من فقدناهم في هذا الحادث الأليم هم ذوب أنفسنا، وفلذات أكبادنا، وحشاشة قلوبنا، وقطع من أجسادنا أودعناها خالقها وديعةَ مَن إيمانُه بالخالق العظيم عظيم!.

في مثل هذا الموقف ينعقد اللسان، وتضطرب المشاعر، وتتحجر الكلمات في الأفواه، فلا يقوى أي منا على أن يصف الكارثة حق وصفها، مهما رزق من بلاغة، ومهما أعطي من فصاحة، ومهما أوتي من قدرة على التعبير!.

لكننا في هذا البلد الصامد المرابط، بلد البطولات العظيمة والتضحيات الجسام، عركتنا الأيام وعركناها، واختبرتنا الشدائد واختبرناها، فما ضعفت لنا نفس ولا وهنت لنا همة ولا لانت لنا قناة!.

في كل اختبار نحن، والحمد لله، ناجحون، وفي وجه كل ملمة نحن ثابتون، وعند كل مصيبة نحن الذين ما عرفنا إلا الصمود ورباطة الجأش وقبول الأمر الإلهي بنفس راضية، إيمانا منا جميعا بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وقبولا منا بالقضاء خيره وشره وسهله وصعبه وحلوه ومره سواء بسواء!.

إننا لا نتضعضع ولا نتزعزع! إننا الشعب الذي ضرب أروع الأمثلة وأحسنها وأعلاها في وجه كل المصائب والملمات، ورضي بما يقدره له الله، جلت قدرته! نحن كلنا نعي تمام الوعي أن المؤمن أشد الناس ابتلاء وأكبرهم مصيبة، ولكنه أعظم الناس صبرا وأكثرهم قبولا بما يقدره له مولاه، جل شأنه وعظمت حكمته!.

إننا - أبناء هذا الشعب الأبي جميعنا- نذرف دموع الإيمان بالقضاء والقدر لا دموع اليأس والقنوط، و نحزن حزن القبول بحكم الله العلي الأعلى، لا حزن الوهن والضعف والانهزام!.

أننا لا نبكي جزعا ولا هلعا! إننا نبكي استجابة لدواعي الفطرة وقبولا  بما قدر الله وقضى، فهو وحده الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. فأمر الله نافذ وحكمته بالغة وإرادته فوق كل الإرادات!!

نحن الذين إذا ذرفت عيوننا دمعة أو دمعتين في مثل هذه المصائب، فإنما نذرفها ونحن نتمثل في أنفسنا قول الشاعر:
بكت عيني و حق لها بكاها... وما يغني البكاء ولا التعويل. 

وما ذاك إلا لأننا نؤمن كل الإيمان بقول الحق، عز وجل:

(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون*)

الأعمار بيد الله، والآجال بيد الله، والكون كله بقبضته، يقضي فيه بأمره متى شاء وحيث شاء وكيف شاء! وما على المؤمن إلا الرضى والقبول والاستسلام!

"ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون"

رحم الله شهداء الأردن رحمة واسعة، وغفر لهم، وأسكنهم فسيح جنانه، وألهم أهلهم وذويهم ومحبيهم جميل الصبر والسلوان والعزاء، ومن عليهم بفضله ونعمه وكرمه، وعوضهم عوض الخير! إنه سميع مجيب الدعوات!

حماك الله يا أردن التضحيات، وأبقاك ذخرا وسندا لفلسطين الحرة وشعب فلسطين الأبي في كل الأحوال وكل الظروف وكل المواقف!

ياسين بني ياسين

الجمعة ١٧ صفر ١٤٤٠ هجرية
الموافق ٢٦ تشرين الأول ٢٠١٨ ميلادية

تعليقات القراء

تعليقات القراء