سبعة وعشرون عاماً.. والأردن يحافظ على توازنه وسط منطقة مضطربة

0
3897cd7d-600e-42ae-a014-86ba4210730a

د. محمد نايف شطناوي

في التاسع من حزيران من كل عام، يستحضر الأردنيون محطة وطنية بارزة في تاريخ دولتهم، تتمثل في عيد الجلوس الملكي، الذي يصادف هذا العام الذكرى السابعة والعشرين لتولي جلالة الملك عبدﷲ الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية، وهي مناسبة لا تقتصر على الاحتفال بذكرى وطنية، بقدر ما تشكل فرصة للتأمل في مسيرة دولة واجهت تحديات متعاقبة، وواصلت في الوقت ذاته مسار البناء والتحديث.

على امتداد سبعة وعشرين عاماً، لم يكن الأردن بمنأى عن التحولات التي شهدتها المنطقة، فقد عاصر حروباً وأزمات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة، بدءاً من تداعيات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، مروراً بالحرب على العراق، ووصولاً إلى تداعيات الربيع العربي والأزمة السورية، وما نتج عنها من موجات لجوء غير مسبوقة فرضت ضغوطاً هائلة على موارد الدولة وبنيتها التحتية.

ورغم هذه التحديات، حافظ الأردن على استقراره السياسي والأمني، وهو إنجاز يكتسب أهمية خاصة إذا ما قورن بحجم الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وقد لعبت القيادة الهاشمية دوراً محورياً في ترسيخ هذا الاستقرار من خلال تبني نهج يقوم على التوازن والاعتدال والانفتاح على الحوار.

وعلى الجبهة الداخلية، لم يكن مسار الإصلاح رحلة سهلة، بل عملية مستمرة من التطوير والمراجعة، فمنذ السنوات الأولى للعهد، أُطلقت مبادرات لتحديث الإدارة العامة وتعزيز التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، إلى جانب الاستثمار في قطاعي التعليم والصحة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للتنمية المستدامة، كما شهدت المملكة إطلاق رؤى اقتصادية متعاقبة هدفت إلى تعزيز النمو وجذب الاستثمار وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

وفي المجال السياسي، اختار الأردن مسار الإصلاح التدريجي في مرحلة كانت المنطقة تشهد فيها تحولات عاصفة، فخلال أحداث الربيع العربي، اتجهت المملكة نحو توسيع المشاركة السياسية من خلال حوارات وطنية وتعديلات دستورية وإصلاحات تشريعية شملت قوانين الانتخاب والأحزاب، بما عزز دور المؤسسات الدستورية ورسخ نهج التطوير السياسي ضمن إطار يحافظ على الاستقرار الوطني.

أما على الصعيد الخارجي، فقد واصل الأردن تعزيز حضوره الإقليمي والدولي باعتباره صوتاً للاعتدال والحكمة، وحافظ على دوره الفاعل في الدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع التأكيد المستمر على حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والحفاظ على الوصاية الهاشمية عليها، كما عززت المملكة مكانتها كشريك موثوق في جهود الأمن والاستقرار الإقليميين وفي الاستجابة للأزمات الإنسانية التي شهدتها المنطقة.

ومع ذلك، لا تزال تحديات اقتصادية واجتماعية مهمة حاضرة في المشهد الوطني، من بينها معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب، وارتفاع المديونية، وشح الموارد الطبيعية، إضافة إلى التحديات التي تفرضها البيئة الإقليمية المضطربة، غير أن قدرة الأردن على الصمود والاستمرار في تنفيذ برامج التحديث رغم هذه الظروف تعكس قوة مؤسساته ومرونة مجتمعه.

وفي الذكرى السابعة والعشرين لعيد الجلوس الملكي، تبدو الإنجازات أكثر وضوحاً عند النظر إلى حجم التحديات التي واجهتها المملكة خلال هذه السنوات، فالأردن لم يبنِ نجاحه على غياب الأزمات، بل على قدرته على إدارتها والتعامل معها، وبينما يواصل المضي نحو المستقبل برؤى التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، يبقى الاستقرار الذي ينعم به الوطن أحد أهم المنجزات التي تحققت خلال هذه المسيرة.

فبعد سبعة وعشرين عاماً من الجلوس الملكي، يقف الأردن اليوم أمام مرحلة جديدة من العمل والبناء، مستنداً إلى إرث من الإنجازات، وإلى رؤية تضع المواطن الأردني في قلب عملية التنمية، وتحافظ على مكانة المملكة كنموذج للاستقرار والاعتدال في منطقة لا تزال تعج بالتحديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Dirancang untuk generasi digital, Toto Slot menawarkan pengalaman tanpa gesekan dengan antarmuka yang intuitif dan performa optimal, menjadikan setiap sesi bermain terasa ringan dan menyenangkan.