الشرق الأوسط بين صراع القوى الكبرى وسرديات التفكك
بقلم : علاء عواد
تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة توترات متصاعدة وصراعات متشابكة تداخلت فيها العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية حتى أصبحت المنطقة واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية في ميزان القوى الدولية.
وفي خضم هذه التطورات تتردد العديد من التحليلات التي تتحدث عن مشاريع كبرى لاعادة رسم خريطة المنطقة وعن احتمالات تفكك دول أو تغيير حدودها نتيجه الصراعات الإقليمية والدولية. لا يمكن فهم ما يحدث في المنطقة من دون النظر إلى الصراع الأوسع بين القوى الكبرى فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة نزاعات محلية بل هو مركز للطاقة العالمية وممر استراتيجي للتجارة الدولية اضافة إلى كونه نقطة إلتقاء لمصالح دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين.
هذا الواقع جعل المنطقة مسرحا لتنافس حاد بين هذه القوى كل يسعى لحماية مصالحه أو توسيع نفوذه.
في السياق ذاته يبرز التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى كأحد أبرز الملفات التي تؤثر على إستقرار المنطقة فالقضية لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ والباليستية بل تمتد إلى الصراع على النفوذ الاقليمي حيث ترى طهران نفسها قوة إقليمية مؤثرة بينما تعتبر واشنطن وتل ابيب أن تمدد النفوذ الإيراني يشكل تهديدا لمصالحهما ولحلفائهما في المنطقة
ومن ناحية أخرى تلعب التحولات في النظام الدولي دورا مهما في رسم ملامح المرحلة القادمة فالصين عبر مبادرة الحزام والطريق تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره عقدة رئيسية في طريق التجارة والطاقة أما روسيا فتعتبر أن الحفاظ على نفوذها في المنطقة جزء من حماية أمنها الإستراتيجي ومصالحها الجيوسياسية هذا التداخل في المصالح يجعل أي صراع في المنطقة مرشحا للتحول إلى ملف دولي واسع التأثير.
في خضم هذه التعقيدات تنتشر بين الحين والاخر سرديات تتحدث عن مشاريع كبرى لتقسيم المنطقة أو إنشاء كيانات جديدة على حساب الدول القائمة غير أن قراءة التاريخ السياسي للشرق الأوسط تظهر أن المنطقة شهدت بالفعل تغييرات كبيرة في خرائطها وحدودها خلال القرن الماضي لكن هذه التغييرات كانت غالبا نتيجة حروب كبرى أو تحولات دولية عميقة وليس نتيجة مخطط واحد متماسك يقوده طرف بعينه.
كما أن استقرار الدول لا يعتمد فقط على العوامل الخارجية بل يرتبط أيضا بعوامل داخلية مثل قوة المؤسسات والإستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وقدرة الدولة على إدارة التنوع الاجتماعي فالدول التي تمتلك مؤسسات قوية واقتصاد متماسك تكون أكثر قدرة على الصمود في وجه الضغوط الاقليمية والدولية
ان أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس فقط الصراعات العسكرية بل أيضا الخطابات التي تغذي الانقسامات الطائفية أو القومية لأنها تضعف المجتمعات من الداخل وتفتح الباب أمام التداخلات الخارجيه ولهذا فان التحدي الأكبر أمام دول المنطقة يتمثل في تعزيز الإستقرار الداخلي وبناء شركات متوازنة مع القوى الدوليه بما يحفظ سيادتها ويمنع تحولها إلى ساحات صراع بالوكالة.
في النهاية يبقى مستقبل الشرق الأوسط مفتوحا على عدة احتمالات بين استمرار التوترات أو التوجه نحو ترتيبات اقليمية جديدة تضمن قدرا أكبر من الإستقرار غير أن العامل الحاسم في كل ذلك سيظل قدرة دول المنطقة نفسها على ادارة مصالحها وتجنب الوقوع في فخ الصراعات التي قد تستنزف مواردها وتعرض استقرارها للخطر.
