لا تحاكموا “فرح” قبل أن تبدأ
د. محمد نايف شطناوي
ما إن ظهرت “فرح”، الناطق الرقمي الحكومي المطوّر بالذكاء الاصطناعي، حتى بدأت موجة واسعة من الانتقاد، وكأننا أمام مشروع ثبت فشله، لا أمام تجربة جديدة تخطو خطواتها الأولى، وهنا لا بد من طرح سؤال صريح: لماذا نحارب كل فكرة جديدة قبل أن نفهمها، ونحكم على كل تجربة قبل أن نعرف هدفها ونرى ما يمكن أن تقدمه؟
هذه ليست المرة الأولى التي نستقبل فيها فكرة جديدة بالرفض الغريزي قبل الفحص العقلاني؛ فحين دخل الإنترنت حياتنا، قيل إنه سيهدم القيم، وحين انتشرت الهواتف الذكية، قيل إنها ستقتل التواصل الإنساني، وحين بدأ الحديث عن الحكومة الإلكترونية، رأى فيها كثيرون ترفًا لا يحتاجه الأردن، وفي كل مرة كان الخوف من المجهول أسبق من محاولة فهمه، والمفارقة أن من يرفض التجربة اليوم قد يكون أول من يستخدم نتائجها غدًا، من دون أن يتذكر أنه كان من أشد المعارضين لها.
إن الحكم على أي أداة أو مشروع من عنوانه أو ظهوره الأول، من دون متابعة أدائه أو الاطلاع على غايته وآلية تطويره، ليس نقدًا حقيقيًا، بل استعجالًا؛ فالنقد المسؤول يأتي بعد المراقبة والتجربة، ويستند إلى النتائج، لا إلى الانطباعات السريعة أو السخرية من كل ما هو جديد.
خذوا تطبيق “سند” مثالًا، فقد واجه في بداياته ملاحظات وصعوبات وترددًا لدى بعض المواطنين، لكنه أصبح اليوم بوابة رقمية تتيح الوصول إلى مجموعة واسعة من الخدمات الحكومية عبر حساب واحد، ومن خلاله يستطيع المستخدم عرض وثائقه الرقمية، ودفع الرسوم، ومتابعة المعاملات، والاستفادة من التوقيع الرقمي، وإنجاز كثير من الإجراءات من دون الحاجة إلى مراجعة المؤسسات الحكومية، وبذلك أسهم في تسهيل الخدمات وتوفير الوقت والجهد على المواطنين.
لم يصل “سند” إلى هذه المرحلة لأنه كان كاملًا منذ اليوم الأول، بل لأنه تطور مع الاستخدام والملاحظات والحاجة الفعلية، وهذا تحديدًا ما يجب أن نتيحه لتجربة “فرح”: فرصة للتطبيق، ثم التقييم والتطوير، بدل إصدار حكم نهائي عليها منذ ظهورها الأول.
وبحسب ما أعلنته الحكومة، فإن “فرح” أداة رقمية جديدة تهدف إلى تقديم المعلومات الحكومية وشرح القرارات والسياسات بلغة واضحة وبسيطة، والوصول إلى المواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولاحقًا من خلال تطبيق “واتساب”، كما يُنتظر أن تتناول مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي والقرارات المرتبطة بالصحة والتعليم والبنية التحتية وغيرها من الملفات التي تمس حياة الناس اليومية.
وكما يتضح من الدور المعلن لها، فإن “فرح” ليست بديلًا عن المسؤولين أو الناطق الرسمي، ولا محاولة لإلغاء دور الإعلاميين، بل أداة إضافية ضمن منظومة التواصل الحكومي، غايتها تقريب المعلومة الرسمية من المواطن، وتقديمها بطريقة تناسب العصر والمنصات التي يستخدمها الناس يوميًا.
وإذا نجحت التجربة وتطورت، فقد تساعد في تقليص الفجوة بين الحكومة والجمهور، وتسهيل فهم القرارات، وتسريع الوصول إلى المعلومات، ومخاطبة الشباب في فضائهم الرقمي، كما قد تسهم، إذا قدمت المعلومات بسرعة ودقة، في الحد من انتشار الإشاعات والمعلومات المضللة؛ فالقيمة الحقيقية لـــــ”فرح” لا تكمن في شكلها أو صوتها أو مدى واقعيتها، بل في نوعية المعلومات التي تقدمها، ومدى دقتها ووضوحها وفائدتها وقابليتها للتحقق.
نحن ننتقد باستمرار تأخر مؤسساتنا عن مواكبة التكنولوجيا، ونسأل لماذا سبقتنا دول أخرى في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لكن عندما تحاول الدولة إطلاق تجربة مختلفة، نسارع إلى مهاجمتها لأنها لم تأتِ بالصورة التي اعتدناها، فكيف نطالب بالتحديث ثم نقاوم أدواته عند أول ظهور لها؟ وكيف نريد للأردن أن يكون سبّاقًا، بينما لا نمنح مبادراته الجديدة الوقت الكافي حتى تنضج؟
الدول لا تتقدم لأنها لا تخطئ، بل لأنها تمتلك شجاعة التجربة، ثم تراقب وتراجع وتصحح وتطوّر، أما مطالبة أي مشروع جديد بأن يكون كاملًا منذ لحظته الأولى فتعني عمليًا رفض الابتكار نفسه، لأن الابتكار لا يولد مكتملًا، وإنما ينضج بالتجربة والملاحظات والتقييم المستمر.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن “فرح” لا يعني منحها حصانة من النقد، فمن حق المواطنين أن يسألوا عن مصادر معلوماتها، وآلية مراجعة محتواها، وحدود دورها، وكيفية حماية خصوصية المستخدمين، ومن يتحمل مسؤولية أي خطأ يصدر عنها إن وقع، كما يحق لهم المطالبة بمعايير واضحة لقياس نجاحها، ومعرفة مدى قدرتها على تحسين الوصول إلى المعلومات والخدمات الحكومية.
هذه الأسئلة لا تحارب المشروع، بل تحميه وتدفعه إلى الأمام؛ فالنقد المطلوب هو الذي يُحسّن الفكرة، لا الذي يسخر منها قبل أن تبدأ، وإذا كانت “فرح” بحاجة إلى تحسين في الشكل أو اللغة أو طريقة تقديم المعلومات، فلنطالب بتحسينها، وإذا ظهرت أخطاء، فلنطالب بتصحيحها، أما هدم الفكرة كاملة بسبب ملاحظات يمكن معالجتها، فلا يخدم التطور ولا يقدم بديلًا.
علينا أولًا أن نرى ما الذي تخطط له الدولة لهذه الأداة، وكيف ستطورها، وما الخدمات التي ستضيفها إليها، فقد تكون “فرح” اليوم مجرد شخصية تقدم المعلومات وتشرح القرارات، لكنها قد تتحول مستقبلًا إلى نافذة رقمية تفاعلية تساعد المواطنين على فهم الإجراءات، والوصول إلى الخدمات، والحصول على المعلومات الرسمية بسهولة وفي الوقت المناسب.
دعونا نراقب التجربة ونختبرها وننتقدها بوعي، ونطالب بتطويرها وفق أعلى درجات الدقة والشفافية، لكن من دون أن نحاكمها لمجرد أنها مختلفة، فقد تكون “فرح” اليوم خطوة أولى، لكنها قد تصبح غدًا نموذجًا أردنيًا متقدمًا في الاتصال الحكومي الرقمي؛ فالمستقبل لا ينتظر المترددين، والدول التي تريد أن يكون لها مكان فيه لا تكتفي بمراقبة التكنولوجيا من بعيد، بل تجرّبها وتصنع أدواتها بنفسها، لذلك لنمنح «فرح» فرصتها، ثم نحكم عليها بما ستقدمه، لأن التجارب تُقيَّم بنتائجها، لا بالخوف منها.
