مصطفى ياغي يكتب: عندما يصبح العمل الحزبي ترفاً
يبدو أننا لم نعد بحاجة إلى أحزاب تستقطب الناس، فقد وصلنا على ما يبدو إلى مرحلة الاكتفاء، بل ربما التخمة السياسية. امتلأت الأحزاب بالكفاءات، وتدفق إليها الشباب بالمئات، وأصبح الازدحام على أبوابها مشكلة وطنية تستوجب وضع حواجز مالية لتنظيم هذا “الإقبال الكاسح”. لذلك لم يعد غريباً أن يسمع الراغب في خدمة وطنه عبارة مفادها: ادفع أولاً، ثم فكّر في المشاركة. يا لها من مفارقة تستحق أن تُدرّس تحت عنوان “التحديث السياسي بنظام الدفع المسبق”. فاللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لم تجتمع أشهراً طويلة، ولم تُنجز حزمة من التوصيات والتعديلات الدستورية، ولم يُعدّل قانونا الانتخاب والأحزاب من أجل أن يتحول العمل الحزبي إلى امتياز مالي، بل كان الهدف واضحاً وصريحاً؛ توسيع قاعدة المشاركة، وإزالة الخوف من الانتساب للأحزاب، وتمكين الشباب والمرأة، وتهيئة الطريق نحو حكومات برلمانية تقوم على أحزاب قوية وبرامج حقيقية. لكن يبدو أن بعض الأحزاب قرأت هذه المخرجات بالمقلوب؛ فبدلاً من إزالة الحواجز، قررت إنشاء حاجز جديد لا علاقة له بالفكر ولا بالكفاءة ولا بالبرنامج السياسي، بل بالمقدرة على الدفع. فإذا صح أن الوصول إلى المكتب السياسي أو الترشح لمنصب الأمين العام يرتبط برسوم أو مبالغ مالية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن قيمة الرسوم، بل عن قيمة الفكرة نفسها. منذ متى أصبحت القيادة الحزبية امتيازاً يُقترب منه بالمحفظة قبل العقل؟ ومتى تحولت الأحزاب من مدارس لإعداد القيادات إلى مؤسسات تقيس أهلية المرشح بما يستطيع دفعه؟ وإذا كان الشاب الأردني يُطلب منه أن يدفع ليشارك في صناعة القرار داخل حزبه، فما الفرق بين استقطاب الكفاءات واستبعادها بطريقة أكثر تهذيباً؟ الحقيقة أن أخطر ما في هذه الممارسات أنها لا تسيء إلى حزب بعينه، بل تضرب جوهر مشروع التحديث السياسي، لأنها ترسل رسالة معاكسة تماماً لما أرادته الدولة، ومفادها أن الطريق إلى المشاركة ليس مفتوحاً للجميع كما قيل، بل لمن يستطيع تحمّل الكلفة. وإذا كان الأمر كذلك، فلنعترف بكل صراحة أننا لم نعد بحاجة إلى تشجيع المواطنين على الانخراط في الأحزاب، ولم نعد بحاجة إلى حملات توعية ولا إلى حديث عن تمكين الشباب، لأننا – بحسب هذا المنطق – وصلنا إلى الهدف المنشود، بل تجاوزناه، وأصبح همّ بعض الأحزاب ليس البحث عن أعضاء جدد، وإنما البحث عن وسائل تقلل عدد الراغبين بالانضمام إليها. والأدهى من ذلك أن قانون الأحزاب جاء لحماية العمل الحزبي، ومنع أي تضييق على المواطنين بسبب انتمائهم السياسي، وتشجيعهم على المشاركة، بينما تأتي بعض الممارسات لتصنع شكلاً جديداً من الإقصاء، لا يقوم على المنع، بل على القدرة المالية. الديمقراطية لا تُقاس بإيصالات القبض، والعمل العام لا يُدار بمنطق الجباية، والأحزاب التي تضع الرسوم قبل البرامج، والمال قبل الكفاءة، لا تستطيع أن تقنع الأردنيين بأنها تصنع مستقبلاً سياسياً مختلفاً. لذلك، فإن إعادة النظر في مثل هذه الممارسات لم تعد ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وطنية، لأن نجاح مشروع التحديث السياسي لا يُقاس بعدد الأحزاب المسجلة، وإنما بعدد الأردنيين الذين يشعرون أن أبوابها مفتوحة لهم جميعاً، لا أن على كل باب صندوقاً للتحصيل قبل أن يُسمح لهم بالدخول.
