“الوضع زبالة”.. حين تكون الصراحة بداية الإصلاح

0
fa49c7d2-f8a4-458e-a10d-06777c3b3421

بقلم:د.محمد نايف شطناوي

لم يكن وصف وزير الداخلية مازن الفراية لواقع الخدمات والإجراءات في جسر الملك حسين / معبر الكرامة بأنه “زبالة” مجرد كلمة عابرة أثارت الجدل، بقدر ما كان تعبيرًا عفويًا صادمًا عن حالة غضب مسؤول رأى بعينه ما لا يليق بالأردن ولا بكرامة المسافرين.

قد يختلف البعض مع المفردة، وقد يراها آخرون قاسية أو غير مألوفة في الخطاب الرسمي، لكن الأهم من الكلمة هو ما كشفته: أن هناك مسؤولًا لم يحاول تجميل الواقع، ولم يختبئ خلف العبارات الناعمة من نوع “هناك بعض الملاحظات” أو “سنقوم بدراسة الوضع”، قالها ببساطة لأن المشهد، كما بدا له، لا يحتمل التجميل.

في كثير من الأحيان، لا يخدم الوطن من يلطّف الخلل، بل من يسميه باسمه، فالمشكلة لا تُحل حين نغلفها بلغة رسمية باردة، ولا تتحسن الخدمات حين نخاف من الاعتراف بسوء الواقع، أحيانًا تكون الكلمة الصادمة بداية إصلاح، لأنها تهزّ حالة الاعتياد، وتدفع الجميع إلى رؤية ما كان الناس يشتكون منه منذ سنوات

جسر الملك حسين ليس مجرد نقطة عبور، هو معبر يومي لآلاف الفلسطينيين والأردنيين والمسافرين، وشريان إنساني واجتماعي واقتصادي حساس، عبره تمر العائلات، والمرضى، والطلبة، والتجار، وكبار السن، وأناس يحملون حقائبهم وتعبهم وانتظارهم وأحيانًا قلقهم، لذلك، فإن سوء الخدمة هناك لا يُقاس فقط بعدد ساعات الانتظار أو بطول الطوابير، بل بما يتركه في نفس الإنسان من شعور بالإرهاق والخذلان.

ولهذا بالضبط كانت الكلمة موجعة؛ لأنها لم تأتِ من فراغ، جاءت من واقع يعرفه كل من عبر الجسر أو انتظر قريبًا له هناك، الأردنيون والفلسطينيون الذين عاشوا الازدحام، والانتظار الطويل، والتعب تحت الشمس، لم يحتاجوا إلى شرح كثير، فهموا أن الوزير لم يكن يستعرض، بل كان يقول بصوت مرتفع ما يقوله الناس منذ سنوات بصوت منخفض.

الصراحة هنا ليست ضعفًا في الخطاب، بل قوة في الموقف، فالوطن لا يُحمى بتجميل العيوب، ولا تُصان صورته بإخفاء التقصير، الخائف على بلده لا يجامله، بل يغضب من أجله، والمسؤول الذي يرى الخلل ثم يسميه باسمه لا يسيء إلى المؤسسة، بل يضعها أمام مسؤوليتها.

حين يقول وزير الداخلية “الوضع زبالة”، فهو في الحقيقة يقول شيئًا أعمق: هذا الواقع لا يليق بنا، لا يليق بالمواطن، ولا بالمسافر، ولا بالضيف، ولا بصورة الأردن، وما نقبله لأنفسنا لا يجوز أن نقدمه للناس وكأنه أمر طبيعي.

ربما كانت الكلمة بسيطة، شعبية، وقاسية في آن واحد، لكنها وصلت إلى الناس لأنها خرجت بلا تصنع، وفي بلد يحتاج أحيانًا إلى مصارحة أكثر من المجاملة، يصبح الاعتراف بالخلل خطوة أولى نحو إصلاحه.

“الوضع زبالة” ليست جملة عابرة إذا تبعها فعل، قد تكون بداية مراجعة حقيقية، وفرصة لإعادة الاعتبار لمعبر يحمل اسم الكرامة، ويجب أن يعكس معناها.

فالأردن لا يكبر بتجميل العيوب، بل بمواجهتها، ولا تُحمى صورة الدولة بإخفاء التقصير، بل بإصلاحه، وما نحتاجه اليوم ليس نقاشًا طويلًا حول مفردة قيلت بعفوية، بل متابعة جادة لما بعدها: هل ستتحسن الخدمة؟ هل ستُختصر الإجراءات؟ هل سيشعر المسافر أن كرامته محفوظة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Dirancang untuk generasi digital, Toto Slot menawarkan pengalaman tanpa gesekan dengan antarmuka yang intuitif dan performa optimal, menjadikan setiap sesi bermain terasa ringan dan menyenangkan.