بينَ تصنيف واشنطن وحكم القضاء الأردني: أين تقفُ جماعة الاخوان المسلمين ؟؟.
أثار القرار التنفيذي الأمريكي الأخير المتعلق بتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين جدلًا واسعًا في الأردن والمنطقة ، وتفاوتت القراءات بين من اعتبره خطوة قانونية ملزمة وَمَنْ رآهُ رسالة سياسية عابرة للحدود ، غير أن هذا الجدل في جوهرهِ يعكس خلطًا شائعًا بين طبيعة القرار الأمريكي وحدوده القانونية وبين أثره الحقيقي على الدول ذات السيادة .
وقبل الخوض في التحليل القانوني لا بد من الإشارة بوضوح إلى أن هذا القرار التنفيذي بصيغته وسياقه ، يعبّر عن نزعة أمريكية متكررة في الاستعلاء على قواعد القانون الدولي والتصرف بمنطق “شرطي العالم” ، وكأن الإرادة السياسية المدعومة بالقوة الاقتصادية والعسكرية باتت بديلًا عن الشرعية الدولية ، وهو مسار يثير استنكارًا مشروعًا حتى قبل مناقشة تفاصيله القانونية .
الولايات المتحدة لا تعتمد مسارًا واحدًا في تصنيف الكيانات المرتبطة بالإرهاب بل تميّز بين نوعين مختلفين تمامًا من التصنيفات ، الأول هو تصنيف “المنظمة الإرهابية الأجنبية” (FTO) ويصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية ويُعد أخطر التصنيفات إذ يعني اعتبار التنظيم ذاته كيانًا إرهابيًا ويُجرّم الانتماء إليه ودعمه ويفتح الباب أمام الملاحقات الجنائية والضغوط السياسية على الدول الأخرى لتجريمه داخليًا .
أما النوع الثاني وهو ما استُخدم في الحالة الأردنية ، فهو تصنيف “الإرهابي العالمي بشكل خاص” (SDGT)، ويصدر عن وزارة الخزانة الأمريكية، وهو تصنيف مالي–عقابي في جوهره يهدف إلى تجميد الأصول ومنع التعاملات المالية داخل النظام المالي الأمريكي ، دون أن يرقى إلى توصيف التنظيم كمنظمة إرهابية مسلحة أو إلى تجريم الانتماء إليها .
وهنا يجب قول الأمر بوضوح لا لبس فيه : التصنيف المتعلق بالأردن هو من نوع SDGT فقط، وليس FTO. وهذا يعني قانونيًا وببساطة، أن الولايات المتحدة لم تعتبر جماعة الإخوان المسلمين في الأردن تنظيمًا إرهابيًا، ولم تجرّم الانتماء إليها، ولم تفرض على الدولة الأردنية أي التزام تشريعي أو جزائي أو سياسي .
ومن منظور القانون الأمريكي نفسه، فإن هذا النوع من التصنيف لا يخاطب الدول ذات السيادة أصلًا، بل يقتصر أثره على الأشخاص والكيانات الخاضعة للولاية الأمريكية، وعلى المعاملات التي تمر عبر النظام المالي الأمريكي. أما من منظور القانون الدولي، فإن القرار التنفيذي الأمريكي، بوصفه إجراءً أحاديًا، لا ينشئ أي التزام على دولة أخرى، ما لم يكن صادرًا عن قرار ملزم من مجلس الأمن أو عن معاهدة نافذة، وهو ما لا ينطبق على هذه الحالة .
أما داخليًا فإن الأردن كان قد حسم هذا الملف قبل صدور القرار الأمريكي بسنوات ، وبمسار مختلف تمامًا ، حيث صدر حكم قضائي قطعي قضى بعدم قانونية جماعة الإخوان المسلمين بصيغتها التنظيمية القائمة ، وانعدام وضعها القانوني ، وما ترتب على ذلك من حلّها واعتبارها فاقدة للصفة الاعتبارية استنادًا إلى قوانين الجمعيات لا إلى قانون منع الإرهاب ، ودون إلصاق توصيف الإرهاب بها .
وهذا الفارق بالغ الأهمية ؛ فالأردن لم يعالج الملف بمنطق التصنيف الأمني أو السياسي ، بل بمنطق سيادة القانون والقضاء ، ولم يربط قراره بالإرهاب أو بالعنف بل بالمشروعية القانونية والتنظيمية ، وبهذا المعنى فإن القرار الأردني كان أسبق من القرار الأمريكي وأكثر دقة وأبعد عن الشعبوية السياسية .
في المحصلة القرار الأمريكي المتعلق بالأردن هو إجراء مالي أمريكي محدود الأثر، لا يغيّر من الواقع القانوني داخل المملكة ولا يفرض عليها أي التزام .. أما الجدل الدائر فهو في معظمه نتاج خلط بين نوعين مختلفين من التصنيف : أحدهما لم يُستخدم في الحالة الأردنية أصلًا إلى جانب اعتراض مشروع على نهج أمريكي بات يتجاوز القانون الدولي ويستعيض عنه بمنطق القوة .
وبينما تُدار مثل هذه الملفات في بعض العواصم عبر قرارات فوقية وتصنيفات عابرة للحدود اختار الأردن طريق القضاء ، وربما كان ذلك في زمن اختلاط القانون بالقوة هو الموقف الأكثر اتزانًا .
المحامي فضيل العبادي
