مباشر الخميس 24 سبتمبر 2026 عمّان 29° غائم جزئياً
اخبار سما الاردن
بدعم من it.jo
عاجل
مقالات مختارة 24 سبتمبر 2026 — 12:31 م

جلالة الملكة تُسقط عن العالم عذر الجهل

IMG_2726

د. محمد نايف شطناوي

في الأمم المتحدة لا تنقص العالم التقارير، ولا تنقصه البيانات ولا الشهادات ولا الصور، وما ينقصه في كثير من الأحيان هو أن يُوضع أمام الحقيقة بلا لغة دبلوماسية تخفف وقعها، وهذا بالضبط ما فعلته جلالة الملكة رانيا العبدالله في نيويورك، حين لم تتحدث عن الأطفال الفلسطينيين بوصفهم هامشاً في صراع طويل، بل وضعت طفولتهم في قلب المشهد، وسألت العالم بصوت واضح عن المعنى الذي يبقى لحقوق الإنسان حين يصبح الطفل نفسه موضع خوف واحتجاز ومحاكمة عسكرية.

كانت قوة كلمة جلالة الملكة في أنها نقلت النقاش من السياسة بمفهومها المجرد إلى اختبار أخلاقي أكثر صعوبة، فالطفل الذي يفترض أن يحمل حقيبته إلى المدرسة قد يُقتاد من منزله في الليل، والذي يفترض أن يخاف من امتحان أو مباراة قد يجد نفسه مكبلاً ومعزولاً وخائفاً، وحين وضعت جلالة الملكة هذه الصور أمام الحضور لم تكن تستدر عاطفة عابرة، بل كانت تفكك اللغة التي قد تجعل الإنسان يعتاد المشهد، لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب الطويلة ليس فقط أن تنتج الألم، بل أن تجعل الألم مألوفاً.

ثم جاءت الجملة الأكثر حدة في الكلمة، حين قالت جلالة الملكة إن ما وصفته من ممارسات ليس نتيجة تصرفات أفراد معزولين، بل نتاج منظومة سياسية وقانونية وأمنية، وهنا تجاوز الخطاب وصف المعاناة إلى مساءلة البنية التي تسمح باستمرارها، مستنداً إلى نتائج وتقارير أممية وإلى بحث لمؤسسة إنقاذ الطفل وثّق شهادات عن الاعتداء والعزل وسوء المعاملة، وفي المقابل ترفض الحكومة الإسرائيلية منهجية لجنة التحقيق الأممية ونتائجها وتتهمها بالتحيز، وهذا الخلاف نفسه يعكس أن القضية لم تعد غائبة عن المؤسسات الدولية، بل أصبحت موضع سجال موثق ومعلن أمام العالم.

وعندما سألت جلالة الملكة، ما الذي يثير كل هذا الرعب من الأطفال الفلسطينيين؟، لم يكن السؤال بحثاً عن إجابة بقدر ما كان مواجهة لفكرة أعمق، وهي اللحظة التي يُنتزع فيها من الطفل تعريفه الأول كطفل ليُعاد تعريفه من زاوية أمنية قبل أن يبلغ سن الرشد، ولذلك جاءت إشارات جلالة الملكة إلى كرة القدم والطائرة الورقية بلاغياً، فهي أشياء صغيرة جداً أمام لغة السياسة، لكنها تعيد للمشهد معناه الحقيقي، وتعيد للطفولة صورتها التي يمكن أن تضيع حين تصبح الأرقام أكبر من قدرة العالم على الشعور بها.

وفي قصة وليد أحمد بلغت الكلمة ذروتها الإنسانية، لأن الأرقام مهما كانت قاسية تبقى أرقاماً إلى أن يصبح لها اسم ووجه وعائلة، وقد استحضرت جلالة الملكة قصة الفتى الفلسطيني الذي توفي في آذار 2025 بعد أشهر في الاحتجاز الإسرائيلي، لتحول الحديث من ملف سياسي إلى مصير إنسان، ومن نقاش في القاعات الدولية إلى سؤال يلاحق الضمير خارجها أيضاً، فالقضية هنا لم تعد ماذا تقول التقارير، بل ماذا تعني هذه التقارير عندما تتحول صفحاتها إلى حياة طفل انتهت.

لكن جلالة الملكة احتفظت بأقسى رسائلها إلى النهاية، شاب فلسطيني اعتُقل وهو في الخامسة عشرة يقول إن العالم يجب أن يعرف ما يمر به الأطفال، فتأتي الإجابة بثلاث كلمات فقط، الآن أصبحتم تعرفون، وهنا يتغير موقع المستمع بالكامل، لأنه لم يعد مجرد متلقٍ لشهادة يستطيع مغادرة القاعة ونسيانها، بل أصبح شاهداً عليها، وهذه هي القوة السياسية الحقيقية للجملة، فهي تنقل النقاش من سؤال المعرفة إلى سؤال ما بعد المعرفة، من ماذا يعرف المجتمع الدولي إلى ماذا تعني هذه المعرفة في مواقفه ومؤسساته وآليات المساءلة التي بناها بنفسه

ربما لهذا كانت كلمة جلالة الملكة أقرب إلى مرآة وُضعت أمام المجتمع الدولي منها إلى خطاب تقليدي، لم تطلب منه أن يكتشف حقيقة مجهولة، بل ذكّرته بحقيقة موجودة في تقاريره ومؤسساته وشهادات الأطفال أنفسهم، ثم أغلقت الباب أمام أسهل الأعذار وأكثرها استخداماً، عذر أننا لم نكن نعرف، وبعد تلك اللحظة لم تعد العبارة مجرد خاتمة بليغة لكلمة في نيويورك، بل سؤالاً مفتوحاً أمام العالم كله، الآن أصبحتم تعرفون، فماذا تعني المعرفة إن بقيت عاجزة عن حماية طفل؟

من نفس القسم

كل الأخبار ←