مباشر الأربعاء 23 سبتمبر 2026 عمّان 19° صحو
اخبار سما الاردن
بدعم من it.jo
عاجل
مقالات مختارة 23 سبتمبر 2026 — 1:23 ص

جلالة الملك وثبات الموقف الأردني… حين تتحدث الثوابت بلغة الحزم

IMG_2726

د. محمد نايف شطناوي

جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد مرة أخرى ثبات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، لكن بلغة أكثر حزماً ووضوحاً، لغة لا تكتفي بتكرار الثوابت، بل تضعها في مواجهة واقع سياسي أصبح أكثر خطورة، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، فالدولة الفلسطينية ليست خياراً مؤجلاً، ورفض التهجير ليس موقفاً ظرفياً، وحماية حقوق الفلسطينيين ليست بنداً قابلاً للتفاوض، بل مرتكزات ثابتة في السياسة الأردنية، إلا أن المرحلة اليوم فرضت على هذه الثوابت لغة أكثر مباشرة، لأن حجم التغير على الأرض لم يعد يسمح بلغة رمادية أو بتحذيرات مفتوحة على الزمن.

على مدى سنوات طويلة، حملت خطابات جلالة الملك تحذيرات متكررة من أن غياب الأفق السياسي سيقود إلى مزيد من التطرف والعنف وعدم الاستقرار، وأن إضعاف فرص قيام الدولة الفلسطينية سيجعل السلام أكثر بعداً، أما اليوم، فإن المشهد تجاوز مرحلة التحذير النظري، فغزة مدمرة، والضفة الغربية تشهد تغيرات متسارعة، والاستيطان يتوسع، والحديث عن الضم وفرض الوقائع الجديدة لم يعد مجرد احتمال سياسي بعيد، ولذلك ارتفع مستوى اللغة، لأن اللغة القديمة لم تعد كافية لوصف واقع أصبح أكثر تعقيداً وخطورة.

هنا تكمن أهمية خطاب جلالة الملك، فهو لم يتعامل مع غزة باعتبارها أزمة إنسانية منفصلة، ولم يتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ملفاً آخر، بل وضع المشهد كله ضمن سياق سياسي واحد، الأرض، والتهجير، والاستيطان، ومستقبل الدولة الفلسطينية، وهي قراءة تعيد القضية إلى أصلها الحقيقي، فلا يمكن اختزال ما يحدث في المساعدات الإنسانية وحدها، مهما كانت أهميتها، لأن القضية في جوهرها تتعلق بحق شعب في البقاء على أرضه وفي تقرير مصيره وفي بناء دولته.

وفي خطاب جلالة الملك أيضاً رسالة أكثر وضوحاً إلى المجتمع الدولي، فالمشكلة لم تعد في غياب البيانات أو المواقف أو الدعوات إلى السلام، بل في الفجوة المتسعة بين ما يقوله العالم وما يفعله، وبين القواعد التي يتحدث عنها القانون الدولي وما يحدث فعلياً على الأرض، ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد فقط كيف يمكن إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، بل كيف يمكن الحفاظ على معنى القانون الدولي نفسه إذا بقي تطبيقه انتقائياً، وكيف يمكن الحديث عن حل سياسي فيما تتغير الوقائع يومياً بطريقة قد تجعل هذا الحل أكثر صعوبة.

واللافت أن جلالة الملك وسّع دائرة التشخيص من القضية الفلسطينية إلى أمن المنطقة بأكملها، فاستمرار الحرب وفرض الوقائع الجديدة لا يبقيان داخل حدود جغرافية مغلقة، بل يهددان استقرار الإقليم، ويعمقان مشاعر الغضب واليأس، ويفتحان الباب أمام مزيد من التوترات، وهنا يظهر البعد الأردني بوضوح، فالأردن لا ينظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية التضامن السياسي فقط، بل من زاوية ترتبط مباشرة بأمنه الوطني وباستقرار حدوده وبمستقبل المنطقة التي ينتمي إليها.

ومن هنا، فإن ارتفاع سقف اللغة في خطاب جلالة الملك لا يمكن قراءته باعتباره خروجاً عن السياسة الأردنية، بل استمراراً لها بلغة تناسب المرحلة، فحين كانت هناك فرصة لإنقاذ عملية السلام، كانت اللغة تركز على ضرورة التحرك قبل فوات الأوان، أما اليوم، فإن السؤال أصبح أكثر إلحاحاً، هل ما تزال هناك مساحة كافية لإنقاذ هذا الحل قبل أن تتحول الوقائع الجديدة إلى حقائق دائمة يصعب التراجع عنها.

حين تتغير اللغة، فذلك لأن الواقع نفسه تغير، وحين يصبح ما كان تحذيراً بالأمس جزءاً من المشهد اليوم، تصبح الكلمات أكثر وضوحاً، والتشخيص أكثر صراحة، والرسالة أكثر إلحاحاً، وهذا ما حمله خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة، ثبات في الموقف، لكن بنبرة تعكس خطورة اللحظة، ورسالة إلى العالم بأن إدارة الصراع لم تعد كافية، وأن الوقت لم يعد مفتوحاً، وأن السلام لا يمكن أن يبقى شعاراً يكرر كل عام، بينما الأرض التي يفترض أن يقوم عليها هذا السلام تتغير كل يوم.

من نفس القسم

كل الأخبار ←