المغطس والهاشميون… حكاية إيمان
د. محمد نايف شطناوي
زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى موقع عمّاد السيد المسيح عليه السلام “المغطس”، وتوجيهه بتحسين تجربة الحجاج المسيحيين والزوار، يجب ألا تُقرأ باعتبارها زيارة لموقع سياحي فحسب، فالمغطس أكبر من ذلك بكثير، وهو واحد من تلك الأماكن التي تستطيع أن تروي قصة الأردن وهويته ورسالته، أرض مرت بها الرسالات، وعاش فيها المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب، وحملت قيادتها الهاشمية مسؤولية حماية المقدسات والدفاع عن قيم الاعتدال والتعايش.
في الأردن مواقع لا يمكن استنساخها أو صناعة بديل عنها، والمغطس في مقدمتها، فهذه الأماكن الدينية يمكن النظر إليها بوصفها هبة إلهية لمن يستحقها ويقدّر قيمتها ويحسن رعايتها والقيام على خدمتها، وهنا يرتبط المكان بواحدة من أهم المحطات في التاريخ المسيحي، ويأتي الحاج من آلاف الكيلومترات باحثًا عن معنى روحي قبل أن يكون باحثًا عن موقع أثري أو صورة تذكارية، ولذلك فإن الحديث عن تحسين تجربة الحاج ليس تفصيلًا خدميًا صغيرًا، بل جزء من الطريقة التي نريد أن نقدم بها الأردن إلى العالم.
الدور الهاشمي في هذا المجال ليس جديدًا أو مرتبطًا بحدث عابر، فالهاشميون تعاملوا تاريخيًا مع حماية المقدسات باعتبارها أمانة تتجاوز الحسابات السياسية والحدود الدينية، والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس هي أوضح تعبير عن هذه الرؤية، فحماية الكنيسة بالنسبة إلى الأردن ليست أقل أهمية من حماية المسجد، واحترام المقدسات لا يرتبط بهوية من يصلي فيها بقدر ما يرتبط بقيمتها الدينية والتاريخية والإنسانية.
هذه الرسالة بالذات هي ما يمنح الأردن خصوصيته، ففي منطقة أثقلتها الانقسامات والصراعات الطائفية والدينية، بقي الأردن قادرًا على تقديم نموذج مختلف، المسلم والمسيحي فيه ليسا جماعتين تعيشان إلى جوار بعضهما، بل مواطنان يشتركان في هوية وطنية واحدة، والكنائس والمساجد ليست رموزًا منفصلة، بل جزء من المشهد الأردني نفسه.
لكن الحفاظ على هذا النموذج وحده لا يكفي، علينا أن نحسن تقديمه إلى العالم، وهنا تأتي السياحة الدينية كفرصة لم نستثمر فيها بعد بالحجم الذي تستحقه، فالأردن لا يمتلك المغطس وحده، بل يمتلك جبل نيبو ومكاور ومار إلياس وغيرها من المواقع المرتبطة بالتاريخ المسيحي، إلى جانب مواقع إسلامية ذات قيمة دينية وتاريخية كبيرة، ما يعني أننا لا نتحدث عن موقع منفرد، بل عن خريطة دينية متكاملة يمكن أن تجعل الأردن إحدى أهم وجهات الحج الديني عالميًا.
المشكلة أن امتلاك التاريخ لا يعني تلقائيًا القدرة على الاستفادة منه، فالعالم لا يعرفك فقط بما تملكه، بل بالطريقة التي تروي بها قصتك، ومن هنا نحتاج إلى ترويج أكثر جرأة واحترافية، وإلى شراكات أوسع مع الكنائس والمؤسسات الدينية وشركات السياحة العالمية، وإلى ربط المواقع ضمن مسارات واضحة تجعل الحاج يقيم في الأردن أيامًا لا ساعات، ويكتشف خلال رحلته المكان والناس والثقافة، لا أن يمر بالموقع ثم يغادر.
السياحة الدينية أيضًا ليست مسألة رمزية فقط، فهي فرصة اقتصادية حقيقية، فكل زائر يعني حركة في الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق والمجتمعات المحلية، وكل استثمار في هذه المواقع يمكن أن ينعكس على مناطق تحتاج إلى التنمية وفرص العمل، وهذا ما يجعل حماية الإرث الديني وتطويره استثمارًا في الهوية والاقتصاد في الوقت نفسه.
ولهذا فإن توجيه ولي العهد بتحسين تجربة الحجاج يجب أن يكون بداية لنظرة أوسع، لا تتوقف عند تحسين الخدمات داخل الموقع، بل تمتد إلى بناء تجربة أردنية كاملة، تبدأ من لحظة معرفة الزائر بالمغطس، وتستمر منذ وصوله إلى المملكة وحتى مغادرته، بحيث يحمل معه قصة عن الأردن، لا مجرد صورة من موقع أثري.
الأردن يمتلك ميزة لا تُشترى ولا تُصنع بحملات العلاقات العامة، فهو أرض دينية حقيقية، وتاريخه حاضر في المكان، كما أن لديه قيادة هاشمية بنت على مدى عقود خطابًا وممارسة تقومان على احترام الأديان وحماية المقدسات، وهذه قوة ناعمة يجب ألا نتعامل معها بتواضع أو نخفيها خلف لغة سياحية تقليدية.
زيارة ولي العهد للمغطس تفتح الباب أمام سؤال مهم، لماذا لا يكون الأردن أحد أبرز مراكز السياحة الدينية في العالم، وهو يمتلك المكان والتاريخ والرواية؟
ما نحتاجه اليوم ليس اختراع قصة جديدة، فالقصة موجودة منذ قرون، نحتاج فقط إلى أن نرويها كما تستحق، بثقة واحتراف، وأن نجعل من المغطس وغيره من المواقع الدينية نافذة يرى العالم من خلالها الأردن كما هو فعلًا، بلدًا يحمي المقدسات، ويصون التنوع، ويؤمن أن الاختلاف الديني يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة، لا سببًا للخوف والانقسام.
