أبناؤنا ليسوا حقل تجارب.. التوجيهي يحتاج قرارًا لا إصرارًا

0
4b7b7777-852d-4070-ae19-3cb6985a3300

بقلم: علاء عواد

من حق وزارة التربية أن تطوّر منظومة التعليم ومن حقها أن تبحث عن نظام يواكب سوق العمل ويمنح الطالب خيارات أوسع لكن ليس من حق أي جهة أن تجعل أبناءنا حقلًا لتجارب الإصلاح ثم تطلب منهم أن يتحملوا نتائج كل تغيير وكل خطأ وكل ارتباك.

ما يحدث اليوم حول نظام التوجيهي والمسارات لم يعد مجرد نقاش عابر حول تطوير التعليم بل أصبح قضية رأي عام حقيقية فهناك اعتراضات وتساؤلات من طلاب وأهالٍ ومختصين وهناك شعور متزايد بأن النظام الذي فُرض على أبنائنا لم يمنحهم الاستقرار والوضوح اللذين يحتاجهما طالب يقف أمام مرحلة تحدد جزءًا مهمًا من مستقبله.

السؤال الذي يطرح نفسه ببساطة: لماذا لا تعيد وزارة التربية النظر بجدية في هذا النظام؟
إذا كان التوجيهي القديم بمساراته المعروفة: العلمي والأدبي والصناعي وغيرها، أكثر وضوحًا للطالب والأسرة فلماذا لا تكون العودة إليه خيارًا مطروحًا للنقاش؟ لماذا الإصرار على نظام أثبتت التجربة وجود مشكلات وصعوبات وأخطاء فيه بدل التوقف وإعادة التقييم بشجاعة؟
التطوير ليس عيبًا والتغيير ليس خطأ لكن الخطأ أن نستمر في التغيير لمجرد أننا بدأناه.
الأصل أن تكون الوزارة قد درست النظام قبل تطبيقه دراسة عميقة وجرّبته على نطاق محدود واستطلعت آراء المختصين والمعلمين والطلاب والأهالي وتأكدت من قدرته على تحقيق أهدافه أما أن يُطبَّق النظام أولًا ثم تبدأ الوزارة بعد ذلك بدراسة آثاره واكتشاف ما فيه من مشكلات فهذه ليست الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها عملية إصلاح تربوي تمس مستقبل مئات الآلاف من الطلبة.
هل يعقل أن نطبق النظام على أبنائنا ثم ننتظر لنرى إن كان صحيحًا أم خاطئًا؟
الطالب ليس رقمًا في تجربة وسنوات عمره الدراسي ليست مساحة مفتوحة للتجريب والخطأ والتصحيحزالطالب الذي يدخل المرحلة الثانوية يحتاج إلى معرفة واضحة: ماذا سيدرس؟ كيف سيُقيَّم؟ ما خياراته الجامعية؟ وما الذي ينتظره في نهاية الطريق؟
والأهل أيضًا من حقهم أن يشعروا بأن هناك نظامًا مستقرًا يستطيعون فهمه والتخطيط لمستقبل أبنائهم على أساسه لا أن يستيقظوا كل عام على تعليمات جديدة وتعديلات جديدة ومسارات جديدة ثم يُطلب منهم ببساطة أن يتكيفوا.
أما الأصعب فهو أن تكون هناك أصوات كثيرة من الميدان طلاب يعيشون التجربة وأهالٍ يتابعون أبناءهم ومختصون في التربية والتعليم يطرحون ملاحظاتهم واعتراضاتهم ثم يبقى الانطباع لدى الناس أن الوزارة لا تسمع.

وزارة التربية ليست في مواجهة الطلاب والأهالي بل هي الجهة التي يفترض أن تكون صوتهم الأول وحارسًا لمصلحة أبنائهم.
ولهذا فإن إعادة النظر في نظام المسارات ليست تراجعًا ولا هزيمة إن كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك. الاعتراف بأن تجربة ما لم تحقق النتائج المطلوبة ليس فشلًا الفشل الحقيقي هو الإصرار عليها رغم كل المؤشرات التي تقول إن هناك خللًا يحتاج إلى معالجة.

نحن لا نطالب بإلغاء التطوير ولا بإغلاق باب التحديث بل نطالب بأن يكون التطوير مدروسًا وأن تكون مصلحة الطالب فوق أي مشروع أو خطة أو رؤية إدارية.

وإذا كانت العودة إلى نظام التوجيهي المعروف أو إلى صيغة أكثر وضوحًا واستقرارًا هي الحل الذي يخفف عن الطلاب والأهالي ويعيد الثقة بالعملية التعليمية فما الذي يمنع من فتح هذا الباب للنقاش؟

المطلوب اليوم ليس بيانات دفاعية ولا تبريرًا لما حدث بل جلسة صريحة مع المجتمع: ماذا نجح؟ ماذا فشل؟ أين أخطأنا؟ وما الذي يجب أن يتغير؟
فمستقبل أبنائنا أكبر من أن يُدار بمنطق: نطبّق أولًا ثم ندرس لاحقًا
أبناؤنا ليسوا جيلًا تجريبيًا.
ووزارة التربية مطالبة اليوم بأن تسمع قبل أن تقرر وأن تراجع قبل أن تصرّ وأن تتراجع إذا ثبت أن التراجع هو الطريق الصحيح.

فالقرار التربوي الحقيقي ليس الذي تثبت الوزارة من خلاله أنها كانت على حق بل الذي تثبت من خلاله أنها تضع مصلحة الطالب فوق الاعتراف بأي قرار سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

slot