حين يصبح الدفاع عن النبي ﷺ مادةً للتصنيف
بقلم: علاء عواد
حتى مع الاعتذار يبقى هناك أمر يستحق التوقف عنده وهو الانتقال من الحديث عن العبارة وموقفها إلى تصنيف الناس الذين دافعوا عن النبي ﷺ إلى شرائح؛ شريحة دافعت بصدق وأخرى دافعت ـ بحسب الوصف ـ بأخلاق أبي جهل.
هنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا: من منح أحدًا حق توزيع الناس على درجات الصدق في محبتهم لرسول الله ﷺ؟
قد نختلف في أسلوب الدفاع وقد نختلف في حدّة العبارات وقد نرى أن شخصًا بالغ في الرد أو أخطأ في التعبير وهذا كله قابل للنقاش لكن أن يتحول الاختلاف في طريقة الدفاع إلى حكم على صدق المحبة أو إلى تشبيه فئة بأبي جهل فهذه قفزة أكبر من مجرد نقد الأسلوب.
فالدفاع عن النبي ﷺ ليس امتحان ولاء لشخص بعينه وليس مطلوبًا من الناس أن يوافقوا المتحدث حتى يُحسب دفاعهم صادقًا.
هل يصبح الدفاع صادقًا إذا صفّق صاحبه وتصبح أخلاق أبي جهل إذا اعترض؟
إن كان هذا هو المعيار فقد انتقلنا من الدفاع عن مقام النبي ﷺ إلى الدفاع عن الأشخاص ومواقفهم.
ومقام رسول الله ﷺ أكبر من ذلك كله
حين نتحدث عن نبينا محمد ﷺ الأولى أن نرتقي بمستوى الخطاب لا أن ندخل في معركة تصنيفات: هذا صادق وهذا سيئ وهذا دافع بأخلاق كذا فالنيات لا يعلمها إلا الله ولا يجوز أن يصبح اختلاف الناس مع شخص ما دليلًا على اختلافهم مع النبي ﷺ أو على نقص محبتهم له.
ثم إن استحضار أبي جهل في وصف شريحة من المدافعين ليس أمرًا عابرًا يمكن تجاوزه بسهولة لأن أبا جهل يمثل في الذاكرة الإسلامية موقفًا معاديًا للنبي ﷺ وليس مجرد نموذج لشخص «أساء الأدب».
لذلك فإن إطلاق هذا الوصف على من اختلف في طريقة دفاعه يحتاج إلى قدر كبير من التروي وإلا تحول الدفاع عن مقام النبي ﷺ إلى إساءة جديدة بين المسلمين أنفسهم.
لسنا بحاجة إلى أن نصنف بعضنا كي نثبت محبتنا لرسول الله ﷺ.
من أحب النبي ﷺ فليدافع عنه بما يليق بمقامه ومن رأى تجاوزًا فليعترض عليه، ومن أخطأ فليعتذر.
أما أن يصبح السؤال: من وقف معي ومن وقف ضدي؟ ومن صفق ومن هاجم؟ فهذه ليست القضية.
القضية أبسط وأعظم: هل كان الكلام عن رسول الله ﷺ لائقًا بمقامه أم لا؟
وهذا وحده كافٍ.
فإذا كان الاعتذار قد جاء لتصحيح ما قيل فليكن الاعتذار خاتمة للخطأ لا بداية لتقسيم الناس إلى مؤيدين «صادقين» ومعارضين «بأخلاق أبي جهل».
لأن محبة رسول الله ﷺ ليست ملكًا لفئة ولا شهادة يمنحها شخص لآخر ولا ينبغي أن تكون ورقة تُستخدم في الخصومات.
النبي ﷺ أعظم من الأشخاص وأعظم من الخلافات وأعظم من أن يصبح مقامه ساحةً لتصفية الحسابات أو تصنيف الناس.
والأدب في حضرة رسول الله ﷺ لا يبدأ بمن نؤيد ولا بمن نختلف معه بل يبدأ من أن نضع مقامه فوق خلافاتنا جميعًا
