قالها دولة الرئيس
كتب // فلاح القيسي
في كل مرة يلوح فيها حديث التعديل الوزاري في الأفق، تضج منصات التواصل الاجتماعي كبحر هائج لا تهدأ أمواجه، تتكاثر التحليلات، وتتسابق التكهنات، ويخرج من بين الضجيج من يوزع الحقائب قبل أن تُفتح أبواب القرار، ومن يرسم خرائط السياسة على مقاس الأمنيات والمصالح، حتى يخيل للمتابع أن الوطن يقف على مفترق طرق، بينما الحقيقة أن الدولة الأردنية تمضي بثبات الواثق الذي يعرف إلى أين يتجه.
ينشط المستوزرون، وتعلو نبرة التلميحات، وتكثر الإشارات التي تُرفع كالأعلام في مواسم الانتظار، هذا يقترب من عدسات الإعلام، وذاك يكثر من التصريحات، وآخر يلوح بعلاقاته وكأن القرار يصنع في صالونات المجاملة أو في دهاليز الإشاعة، بينما الأردن أكبر من كل تلك الحسابات الضيقة، لأنه دولة مؤسسات لا دولة أمزجة، ودولة رؤية لا دولة ارتجال.
في الأردن لا تُدار الدولة بردة فعل، ولا تُكتب القرارات تحت ضغط الهمسات أو ضجيج مواقع التواصل، فهناك قيادة تعرف جيدًا ماذا تريد، ومؤسسات تعمل ضمن نهج واضح، ومسار وطني لا تحدده حملات الترويج ولا حفلات التسويق الشخصي. القرار السياسي في هذا الوطن لا يُصنع خلف الأبواب المغلقة، بل يولد من رحم المسؤولية، ويُبنى على مقياس الكفاءة والقدرة على الإنجاز والعطاء.
لهذا، حين يأتي التعديل الوزاري ـ إن جاء ـ فإنه لا يكون انتصارًا لأحد ولا هزيمة لآخر، بل جزءًا من حركة الدولة وهي تعيد ترتيب أدواتها لمواجهة التحديات ومواصلة البناء. فالمنصب في الأردن ليس غنيمة، بل تكليف ثقيل، والكرسي ليس مجدًا دائمًا، بل اختبارًا صعبًا لا ينجح فيه إلا من حمل الوطن في ضميره قبل أن يحمله في حقيبته الوزارية.
ورغم كل ما يدور من جدل، يبقى الإنصاف قيمة لا بد أن تُقال، فهناك وزراء مروا من هنا وتركوا أثرًا يشبه الضوء في العتمة، عملوا بصمت، وأنجزوا دون ضجيج، وحملوا همّ الناس بصدق، فإن غادروا مواقعهم تبقى بصماتهم شاهدة أن العطاء الحقيقي لا يقاس بطول البقاء في المنصب، بل بحجم ما يتركه الإنسان من أثر في حياة الوطن والناس.
الأردن الذي عبر العواصف الكبرى، لا تهزه شائعة، ولا تربكه تكهنات، لأنه وطن تأسس على الحكمة والاتزان، ولأن قيادته تدرك أن المرحلة تحتاج رجال دولة لا نجوم منصات، وتحتاج أصحاب إنجاز لا محترفي استعراض.
سيبقى الأردن واقفًا كالسنديانة العتيقة، تضرب جذورها عميقًا في الأرض، بينما تتساقط حولها أوراق المواسم العابرة. ففي هذا الوطن، القرار حين يولد، يولد بحجم الوطن… لا بحجم الضجيج.
