الوطنية ليست صكاً للبيع
في لحظات التوتر تنكشف معادن الخطاب قبل مواقف الناس ما نشهده اليوم ليس مجرد إختلاف في الرأي بل انزلاق خطير نحو تحويل النقاش العام إلى ساحة تخوين وكأن الوطنية صارت إمتحان ولاء يومي يقرره الأكثر صراخا لا الأكثر فهما أو إتزانا.
ليس شرطا أن تكون مؤيدا لهذا الطرف أو ذاك لتمنح صك الإنتماء ، فمن حق أي إنسان أن يقرأ المشهد كما يراه أن يخطئ ويصيب أن يقتنع أو يعارض دون أن يسحب إلى منصة محاكمة شعبية جاهزة توزع فيها التهم بالجملة.
المشكلة ليست في الإختلاف بل في عقلية احتكار الحقيقة وادعاء إمتلاك معيار الوطنية وكأنها ملكية خاصة.
الأخطر من ذلك هو الانحدار نحو خطاب يمس الناس في أصولهم وهوياتهم وكأن الإنتماء يقاس بالدم والنسب لا بالفعل والموقف هذا النوع من الكلام لا يحمي وطنا بل يفتته من الداخل ويزرع الشك بين أبنائه ويحول المجتمع إلى جزر متناحره وحين تصبح الجنسية ورقة ضغط الإنتماء تهمة قابلة للنقاش فنحن لا ندافع عن البلد بل نضعف أساسه ثم يأتي من يختزل كل ما يجري في رواية مبسطة خالية من السياق وكأن الأحداث تدور في فراغ الحقيقة.
إن المنطقة تعيش صراعا معقدا ومن يختار موقعا فيه يدرك أو يفترض أن يدرك أن لكل موقف كلفته لا يمكن التعامل مع السياسة وكأنها شعارات ولا مع الحروب وكأنها نشرات حماسية هناك واقع هناك حسابات هناك نتائج الوطنية في معناها الحقيقي لا تحتاج إلى ضجيج لا تقاس بحدة التعليقات ولا بعدد المرات التي يُذكر فيها اسم البلد في جملة واحدة هي سلوك يومي أخلاق إحترام للناس ووعي بأن الأخلاق لا يعني العداء بل هي أن تحمي بلدك دون أن تجرح أبنائه وأن تدافع عنه دون أن تقصي الأخرين منه اتركوا مساحة للناس أن تفكر أن تختلف أن تعبر.
ليس مطلوب من الجميع أن يرددوا الصوت نفسه ولا أن يصطفوا في المكان ذاته المجتمعات لا تقوى بالتشابه القسري بل بالتنوع الواعي أما تحويل الوطنية إلى أداة تخويف أو مزاودة فلن ينتج إلا مزيدا من إلاحتقان وفقدان الثقة.
قليل من الهدوء قليل من العقل قليل من إحترام الإختلاف كفيل بأن يعيد للنقاش معناه وللوطنية قيمتها لأن الكلمة عندما تستهلك بهذا الشكل تفقد وزنها ويصبح من الصعب استعادتها حين نحتاجها حقا.
