بالوعي نواجه جنون العظمه
كتب // فلاح القيسي
في عالم تتسارع فيه الأحداث بوتيرة غير مسبوقة، وتُدار فيه السياسات بمنطق القوة لا بمنطق القيم، باتت الساحة الدولية مفتوحة على كل الاحتمالات، حتى تلك التي كان العقل يستبعدها بالأمس. فما نشهده اليوم ليس مجرد أزمات عابرة، بل تحولات عميقة في شكل النظام العالمي، حيث تراجعت المبادئ الإنسانية، وضعفت المرجعيات الأخلاقية، وارتفعت لغة المصالح فوق كل اعتبار.
لقد دخل العالم مرحلة يمكن وصفها بـ”السيولة السياسية”، حيث لم تعد التحالفات ثابتة، ولا المواقف مبدئية، بل أصبحت محكومة بحسابات الربح والخسارة، ولو كان الثمن استقرار الشعوب أو دماء الأبرياء. دول كبرى تتخذ قرارات مصيرية دون اكتراث للقانون الدولي أو لحقوق الإنسان، ما يجعل المشهد أكثر خطورة وتعقيدا.
في ظل هذا الواقع، لم يعد الاكتفاء بردود الفعل العاطفية كافيا، ولا الانجرار خلف الشعارات البراقه وسيله كافيه للفهم والخروج الامن من دائرة الخطر
المطلوب اليوم هو رفع مستوى الوعي العام، وقراءة ما يجري بعيون ناقدة، وتحليل الأحداث ضمن سياقاتها السياسية والاقتصادية، وربط ما يحدث عالميا بانعكاساته المحلية، لأن ما يجري في العواصم الكبرى سرعان ما يصل صداه إلى حياة الناس اليومية.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات في هذه المرحلة ليس فقط القرارات الدولية الجائرة، بل فقدان البوصلة الداخلية، حين يختلط الحق بالباطل، ويضيع الموقف بين التضليل والتحريض. لذلك، فإن الحكمة، والوعي، ووحدة الموقف الوطني تشكل اليوم خط الدفاع الأول في مواجهة الفوضى السياسية والإعلامية التي تجتاح العالم.
إن الشعوب التي تمتلك وعيا سياسيا حقيقيا، وتدرك طبيعة الصراعات ومصالح الأطراف المتصارعة، تكون أقل عرضة للاستغلال، وأكثر قدرة على حماية استقرارها ومصالحها العليا. أما المجتمعات التي تنساق خلف العاطفة والتهويل، فهي أول من يدفع ثمن الفوضى، حتى وإن لم تكن طرفا مباشرا في الصراع.
في زمنٍ أصبح فيه الجنون السياسي عابرا للحدود، يبقى الرهان الحقيقي على الإنسان الواعي، والكلمة المسؤولة، والموقف المتزن، لأنها وحدها القادرة على كبح اندفاع عالم فقد الكثير من توازنه. وتذكروا ما اقول.
