« ألمَلِك الأكثر أمريكية »… قراءة خارج ثنائية المدح والإدانة !!

0
IMG-20240130-WA0051(3)


منذ أن بدأ تداول عنوان كتاب The Most American King في الأوساط الأردنية ، لم يتأخر الجدل في الظهور، ولم يتأخر معه سوء الفهم … فالعنوان بحدّته الظاهرة استُقبل من البعض بوصفه اتهامًا سياسيًا، ومن آخرين بوصفه مديحًا مبطنًا، وبين هذا وذاك ضاعت حقيقة ما يقصده المؤلف وضاع معها النقاش الرصين الذي يستحقه الكتاب .
غير أن القراءة المتأنية لما أورده المؤلف آرون ماجد تكشف بوضوح أن العنوان لا يُراد به لا التشهير ولا التمجيد بل التوصيف التحليلي . فـ«الأكثر أمريكية» ليست حُكماً بل توصيفاً لموقع سياسي فريد ولمكانة نادرة لقائد عربي داخل المنظومة السياسية الأمريكية .
المؤلف لا يقول إن الملك عبد الله الثاني «أمريكي الهوى» ولا يذهب إلى القول بفقدان القرار الوطني كما لا يقدّمه بوصفه نموذجًا سياسيًا يُحتَذى ولا بوصفهِ تَبَعيّةً تُحارَب .. ما يقوله بدقة هو أن الملك عبد الله الثاني القائد العربي الأكثر فهمًا للمنطق الأمريكي في إدارة السياسة الدولية والأقدر على مخاطبة واشنطن بلغتها : لغة المصالح والاستقرار، والكلفة والعائد، لا لغة الشعارات أو المظلومية .
وهنا تكمن نقطة الالتباس الكبرى .. فالمجتمعات التي اعتادت قراءة السياسة من زاوية الاصطفاف الأخلاقي – مع أو ضد ، وطني أو عَميل – تجد صعوبة في تقبّل لغة التحليل الواقعي … لكن المؤلف منذ الصفحات الأولى وحتى الخاتمة ، يصرّ على إخراج القارئ من هذا المنطق الثنائي … مؤكدًا أن السياسة الواقعية لا تُدار بهذه الطريقة .
الكتاب يقدّم صورة ملك لم يكن «حليف أزمة» في واشنطن .. بل شريكًا دائم الحضور في نقاشاتها .. قائد يُستشار لا يُستدعى فقط . يُفهَمُ لا يُساء تأويله .. وهذه المكانة كما يوضح المؤلف لم تأتِ من فراغ بل من مسار طويل من البراغماتية والهدوء والقدرة على العمل داخل النظام الدولي لا على هامشه .
لكن وهنا جوهر الكتاب، هذه المكانة الخارجية لم تكن بلا ثمن .. فالمؤلف لا يتجاهل الكلفة الداخلية ولا يجمّل آثارها .. بل يربط بين هذه العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة وبين تراجع الضغط الخارجي من أجل إصلاح سياسي عميق ، وبين سياسات اقتصادية غير شعبية، وبين شعور داخلي متنامٍ بأن الاستقرار يُدار أكثر مما يُبنى .
بهذا المعنى لا يُدين الكتاب الملك .. ولا يُبرّئ النموذج .. بل يقول بوضوح إن الاستقرار كان خيارًا واعيًا ، وإن هذا الخيار أنقذ الدولة من الانهيار، لكنه أجّل أسئلة الداخل بدل أن يحسمها .. وهذا في منطق المؤلف ليس خطيئة أخلاقية بقدر ما هو معضلة سياسية مزمنة لدولة صغيرة في إقليم متفجّر .
إن أخطر ما في الجدل الدائر حول عنوان الكتاب هو اختزاله في سؤال : هل هو مدح أم إدانة ؟ بينما السؤال الحقيقي الذي يطرحه الكتاب هو :
هل يمكن لنموذج الاستقرار هذا أن يستمر دون إعادة بناء العقد الاجتماعي ؟ وهنا يغادر الكتاب منطق العناوين إلى منطق الأسئلة المفتوحة !! فلا نبوءات ولا أحكام نهائية ، ولا دعوات انقلابية !! بل تحذير هادئ من أن التحالفات الخارجية مهما بلغت قوتها لا تصنع شرعية داخلية !! وأن إدارة الأزمات لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن حلّها .
لذا فإنّ قراءة « المَلِك الأكثر أمريكية » بوصفه شتيمة سياسية أو وسامًا شرفيًا هي قراءة سطحية ، تسيء إلى القارئ قبل أن تسيء إلى الكتاب !! أمّا قراءته بوصفه تشريحًا عقلانيًا لعلاقة معقّدة بين الداخل والخارج فهي وحدها التي تضع النقاش في مكانه الصحيح .
في النهاية لا يطلب هذا الكتاب من الأردنيين أن يحبّوا النموذج أو يكرهوه .. بل أن يفهموه .. والفهم، في زمن الاستقطاب هو أرقى أشكال الشجاعة الفكرية .
المحامي فضيل العبادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Dirancang untuk generasi digital, Toto Slot menawarkan pengalaman tanpa gesekan dengan antarmuka yang intuitif dan performa optimal, menjadikan setiap sesi bermain terasa ringan dan menyenangkan.