السقوط من الداخل .. !!!
ما جرى اليوم في فنزويلا أكان توصيفه اختطافًا أم احتجازًا قسريًا أم عملية «إجلاء» مغلّفة بالمصطلحات ، لا يمكن عزله عن سياقه الأوسع ولا فهمه بوصفه حادثًا أمنيًا مفاجئًا ، فالتاريخ السياسي الحديث يعلّمنا أن العبث برؤساء الدول لا يبدأ من الخارج ولا يتم فجأة ، بل يكون في الغالب خاتمة لمسار طويل من التصدّع الداخلي والانفصال التدريجي بين القائد وشعبه وتآكل الثقة التي تشكّل جوهر الشرعية الحقيقية لأي حكم .
صحيح أن خطف الرؤساء أو المساس بمواقعهم السيادية يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي لكن الصحيح أيضًا – وربما الأكثر إيلامًا – أن هذا النوع من الانتهاكات لا ينجح إلا إذا وجد تعاونًا داخليًا أو تقصيرًا فادحًا أو حالة إنهاك سياسي وشعبي تجعل الدولة رخوة وقابلة للاختراق .. فلا قوة خارجية مهما بلغت تستطيع أن تقترب من رئيس تحميه مؤسسات وطنية متماسكة وشعب يرى فيه ممثلًا لمصالحه ، وصوتًا لإرادته لا عبئًا عليه .
اللحظة الفاصلة في مسيرة أي قائد ليست حين تتكاثر التهديدات الخارجية بل حين يبدأ بالانفصال عن مجتمعه ويستبدل الحوار بالقمع والنقد بالتخوين ، والشراكة بالخوف .. عندها لا يعود محميًا بشرعيته بل محاصرًا بها وتتحول السلطة من أداة إدارة إلى عبء ثقيل ، وتصبح السيادة مجرد شعار أجوف .. في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الخارج بالتحرك بثقة لأن الداخل يكون قد تآكل بما يكفي .
التجربة التاريخية تؤكد أن وهم القبضة الأمنية كان دائمًا مقدمة للسقوط لا للحماية ، فالأمن قد يؤجل الانفجار لكنه لا يمنعه ، وقد يفرض الصمت لكنه لا يصنع الولاء .. الدولة التي لا تستند إلا إلى الأجهزة الأمنية إنما تعترف ضمنيًا بأنها فقدت ثقة شعبها ، وأن وجودها بات قائمًا على الخوف لا القبول وما يقوم على الخوف وحده ينهار سريعًا عند أول اختبار جدي .
والأخطر من وهم الأمن هو وهم الحماية الأجنبية .. كم من قائد ظنّ أن تحالفاته الخارجية أو خدماته السياسية أو دوره الوظيفي في خرائط النفوذ الدولية ستحميه ساعة الشدة .. لكن التاريخ لا يرحم في هذا الباب : الأجنبي لا يحمي أشخاصًا بل مصالح ، ولا يعرف وفاءً بل حسابات .. تنتهي الحماية فور انتهاء الدور أو حين يصبح الحليف عبئًا ، أو عندما يتأكد الخارج أن هذا القائد بات منبوذًا من شعبه وغير قابل للاستثمار السياسي .. عندها يُترك وحيدًا أو يُستبدل أو يُضحّى به بلا تردد .
في المقابل يقدّم التاريخ نماذج معاكسة بالغة الدلالة ، حين تعرّض الرئيس التركي لمحاولة انقلاب عسكري عام 2016 لم تفشل المحاولة بفعل قوة السلاح أو صلابة الأجهزة فقط بل لأن الشارع التركي تحرّك بكثافة ، وخرج الناس دفاعًا عن خيارهم مهما اختلفوا مع سياسات الرجل أو انتقدوه .. ذلك المشهد كان رسالة سياسية مدوّية : القائد الذي يحتفظ بجسر حي مع شعبه قد يُستهدف .. لكنه لا يُختطف ولا يُسقط بسهولة .
والصورة ذاتها تكررت سابقًا في فنزويلا عام 2002 حين جرى احتجاز هوغو تشافيز لساعات خلال محاولة انقلابية ، قبل أن تعيده الجماهير إلى القصر .. لم تُعِده البيانات الدولية ولا المواقف الرمادية بل أعاده الشارع وعلى النقيض تمامًا انتهى حال مانويل نورييغا في بنما حين فقد أي سند شعبي حقيقي فأصبح اعتقاله الخارجي مسألة وقت لا أكثر .
الخلاصة التي يرفض سماعها كثير من القادة ويخشى المحيطون بهم قولها : أن الحماية الحقيقية لأي زعيم لا تكمن في القصور ولا في الجيوش ولا في الأجهزة ولا في الوعود الأجنبية ، بل في الناس .. الشعب وحده هو خط الدفاع الأخير .. وهو الضمانة الوحيدة التي لا تُشترى ولا تُختطف .. أما القائد الذي يُخدَّر بوهم الشعبية المطلقة أو يُحاط بجوقة من المصفقين أو يُصوَّر له أنه معصوم من الخطأ ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. فإنما يُدفع دفعًا نحو عزلة قاتلة غالبًا ما تنتهي بسقوط مدوٍّ ومهين .
ما حدث في فنزويلا اليوم ليس حادثًا أمنيًا عابرًا بل إنذار سياسي قاسٍ ، ورسالة واضحة لكل من يريد أن يفهم : من يفقد شعبه يفقد كل شيء … حتى نفسه .. وحتى سيادته الشخصية .
المحامي فضيل العبادي
