عندما تتكلم الصواريخ بإسم القانون: أميركا وفنزويلا في ميزان القوة

0
IMG-20260103-WA0006

بقلم: علاء عواد

لم يكن الهجوم الأمريكي على فنزويلا مجرد رد فعل أمني أو إجراء استثنائي فرضته ظروف طارئة ، بل جاء محملا بدلالات أعمق تتجاوز الخطاب المعلن حول مكافحة المخدرات وحماية الأمن القومي .
ففي كل مرة تُرفع فيها هذه الشعارات يظهر سؤال قديم متجدد : هل تتحرك الولايات المتحدة دفاعًا عن القانون الدولي أم دفاعًا عن مصالحها الاستراتيجية ؟
تتهم واشنطن القيادة الفنزويلية وعلى رأسها الرئيس نيكولاس مادورو بالضلوع في شبكات الاتجار بالمخدرات وتقدم هذه الاتهامات بوصفها مبرراً أخلاقيا وقانونيا للتصعيد العسكري غير أن هذه التهم سواء ثبتت صحتها كاملة أو جزئية تُستخدم سياسيا كأداة لتجريد الدولة المستهدفة من شرعيتها تمهيدا للتدخل فيها .
فالولايات المتحدة لم تنتظر يوماً أحكام محاكم دولية ولا قرارات أممية ملزمة بل نصبت نفسها خصمًا وحكماً ومنفذًا في آن واحد.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في التهمة بل في انتقائية تطبيقها فالعالم مليء بأنظمة متهمة بالفساد أو بانتهاكات جسيمة وبعضها حليف وثيق لواشنطن ومع ذلك لا تقصف عواصمها ولا تفرض عليها حصارات خانقة فما يحدد مستوى العقاب ليس حجم الجريمة بل موقع الدولة من الخريطة السياسية الأمريكية .
الولايات المتحدة قامت بضرب فنزويلا دون قلق حقيقي من القانون الدولي ليس لانها فوقه فقط بل لان هذا القانون عمليا لم يعد موجودا إلا في الخطب والبيانات.
هنا تتكشف الحقيقة الصادمة : القانون الدولي ليس مرجعية ملزمة بل أداة انتقائية يُستدعى عندما يخدم مصالح انتقائية ويُدفن عندما يعيقها . فالولايات المتحدة لا تلجأ إلى القانون لانها لا تحتاج اليه فالقوة العسكرية والاقتصادية كافية لفرض الوقائع وشرعنة الفعل بعد حدوثه.
تتهم واشنطن القيادة الفنزويلية بالاتجار بالمخدرات وتستخدم هذه التهمة كغطاء أخلاقي للتدخل العسكري ولو كانت فنزويلا على خطأ لكن الأخطر من الخطأ نفسه هو تحويل الاتهام إلى رخصة مفتوحة للقصف والتدخل .
فلم نرى محاكم دولية ولا مسارات قانونية بل رأينا صواريخ تطلق أولاً ثم تصاغ الرواية لاحقا.
فنزويلا هنا تملك أكبر إحتياطي نفطي مؤكد في العالم وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بتفسير مستوى الإصرار الأمريكي على إخضاعها .فالنفط هنا ليس مجرد مورد بل هو مفتاح الهيمنة وإعادة تشكيل القرار السيادي . فهكذا تدار الهيمنة الحديثة : لا احتلال مباشر بل إضعاف ممنهج وعقوبات وضربات محدودة تُبقي البلاد في حالة عجز دائم .
ولكن لا يزال يراهن على القانون الدولي يكفي النظر إلى غزة فما حدث ويحدث هناك هو الدليل الأكثر فجاجة على أن هذا القانون ليس سوى كذبة كبرى فهناك في غرة وقف القانون الدولي عاجزا عن حماية الشجر والبشر والحجر فكيف يُنتظر منه أن يحمي دولة مثل فنزويلا؟
غزة وفنزويلا ورغم إختلاف الجغرافيا والسياق والأهداف والرؤية تكشفان الحقيقة ذاتها : العالم لا يدار بالعدالة بل بالقوة ومن يملك السلاح يملك القرار ومن يملك النفوذ يكتب الرواية ومن لا يملك شيئا يُطلب منه الصمت او يُعاقب.
فالهجوم على فنزويلا هو استمرار لمنطق قديم بثوب جديد : منطق السيطرة وفرض الإرادة وإعادة إنتاج الهيمنة تحت شعارات فقدت مصداقيتها
وفي عالم سقطت فيه الأقنعة لم يعد السؤال : من المخطئ ؟ بل : من الأقوى ؟
لان الأقوى وحده هو من ينجو ومن يُحاسب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Dirancang untuk generasi digital, Toto Slot menawarkan pengalaman tanpa gesekan dengan antarmuka yang intuitif dan performa optimal, menjadikan setiap sesi bermain terasa ringan dan menyenangkan.