مباشر السبت 31 أكتوبر 2026 عمّان 22° غائم
اخبار سما الاردن
بدعم من it.jo
عاجل
مقالات مختارة 31 أكتوبر 2026 — 2:09 م

القذافي … خذله الحلفاء ولم تنسه الشعوب

IMG-20261031-WA0023

سردار الهركي

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الخامسة عشرة لمقتل الزعيم الليبي معمر القذافي، وهي مناسبة تعيد إلى الذاكرة مشاهد مؤلمة وصادمة، ليس فقط بسبب نهاية رجل حكم ليبيا لعقود، بل بسبب الطريقة التي انتهت بها حياته. كانت مشاهد مقتله بعيدة كل البعد عن أبسط القيم الإنسانية والأخلاقية، بل ومتناقضة مع القيم الدينية التي كان بعض منفذي تلك الأحداث يدّعون الإيمان بها. فمهما اختلفنا مع حاكم أو اختلفنا مع سياساته، تبقى للإنسان كرامته، وتبقى المحاكمة والعدالة أسمى من مشاهد الانتقام والتشفي.
لكن ما يثير التأمل أكثر من مشهد النهاية هو ما حدث بعد سقوطه؛ فالرجل الذي فتح أبواب ليبيا أمام الكثير من الشخصيات الوطنية وحركات التحرر والشعوب التي كانت تبحث عن صوت أو سند في عالم تحكمه المصالح، وجد نفسه في لحظة سقوطه وحيدا. تنكّر له كثيرون ممن استفادوا من دعمه ومواقفه، واختاروا الصمت أو الابتعاد، خوفا من الإرادة الدولية، أو حفاظا على مصالحهم وحساباتهم السياسية، وكأن الوفاء يصبح عبئا عندما تتغير موازين القوى، وكأن المواقف والمبادئ يمكن التخلص منها بمجرد أن يصبح صاحبها خارج دائرة النفوذ.
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إيلاما في السياسة: كثيرون يقتربون منك عندما تكون قويا، لكن القليل منهم يبقى إلى جانبك عندما تفقد قوتك. فالوفاء الحقيقي لا يُقاس بعدد الذين يقفون معك في زمن الانتصارات، بل بعدد الذين لا يتنكرون لك في زمن الهزائم.
ولم يكن القذافي مجرد شخصية سياسية عابرة في ذاكرة بعض الشعوب، فقد كانت له مواقف ودعم لشخصيات وحركات وطنية في مناطق مختلفة من العالم. وقد اختلف الناس في تقييم تجربته وحكمه وسياساته، وهذا أمر طبيعي، لكن الإنصاف يقتضي ألا نمحو المواقف الإيجابية لمجرد اختلافنا مع جوانب أخرى من تجربته.
ومن بين الشعوب التي ترك القذافي أثرا في ذاكرتها الشعب الكوردي. ولعل العلاقة بينه وبين القضية الكوردية تستحق التوقف عندها، لأنها لم تكن مجرد علاقة سياسية عابرة، بل ارتبطت بمواقف علنية وشجاعة في مرحلة لم يكن الحديث فيها عن الحقوق القومية للكورد أمرا سهلا، خصوصا في ظل الأنظمة التي كانت تنظر إلى المطالب الكوردية باعتبارها تهديدا لوحدة دولها.
لقد كان القذافي، في موقفه من القضية الكوردية، متقدما على كثير من القادة العرب، بل وعلى بعض القادة الذين كانوا يتحدثون عن الحرية وحقوق الشعوب، بينما يتجنبون الاقتراب من القضية الكوردية خشية إغضاب أنظمة المنطقة.
وأتذكر هنا تصريحه عام 1995، الذي أكد فيه أن القضية الكوردية قضية مقدسة كالقضية الفلسطينية، وأن الأكراد أمة لها الحق في أن تكون لها دولة مستقلة فوق أرضها، مثلها مثل أي أمة أخرى. وبغض النظر عن الاختلافات السياسية حول هذا الموقف، فإن مجرد إعلان مثل هذا الكلام في ذلك الوقت كان موقفا جريئا وغير مألوف في الخطاب السياسي العربي.
لكن الموقف الأعمق، والذي يعكس طريقة تفكير مختلفة في فهم القضية الكوردية، هو ما يُروى عن حوار جمعه بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، عندما عاتبه الأخير على دعمه للأكراد. فكان رد القذافي، بحسب الرواية المتداولة، أن الأكراد سيستقلون يوما ما، وأنه بدلا من قمعهم ومحاربتهم، ينبغي للعرب أن يقفوا إلى جانبهم، ليكونوا حلفاء وسندا لهم، بدلا من دفعهم إلى العداء مع العرب.
إن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في تأييد حق الأكراد في تقرير مصيرهم، بل في الفلسفة السياسية التي يحملها؛ فالشعوب لا يمكن إخضاعها إلى الأبد، والحقوق القومية لا تختفي بالقوة، والاعتراف بحقوق الآخرين هو الطريق لبناء الصداقة والتحالف، وليس القمع والإنكار.
ولعل أكثر ما يثير الأسف أن بعض القيادات الكوردية التي استفادت من مواقف القذافي ودعمه لم تكن على مستوى الوفاء الذي كان ينبغي أن تتحلى به، واختارت الصمت أو الابتعاد عندما تغيرت الظروف. ولا أريد هنا أن أعمم، لكن التاريخ يسجل المواقف، والذاكرة الشعبية تختلف كثيرا عن الحسابات السياسية للقيادات.
ففي الوقت الذي قد تتغير فيه مواقف السياسيين تبعا للمصالح والتحالفات، تبقى ذاكرة الشعوب أكثر صدقا في كثير من الأحيان. وما زال في الذاكرة الكوردية تقدير لمواقف القذافي تجاه قضيتهم، ولن ينسى المجتمع الكوردي ما قدمه لهم وما أعلنه من مواقف في وقت كان فيه كثيرون يفضلون الصمت.
إنني لا أكتب هذا المقال من باب تمجيد الحكام، ولا من أجل تبرئة تجربة سياسية من أخطائها، فكل تجربة حكم يجب أن تخضع للنقد والمراجعة، والقذافي نفسه لم يكن خارج دائرة النقد والاختلاف. لكن هناك فرقا كبيرا بين نقد تجربة حاكم وبين إنكار مواقفه، وبين الاختلاف السياسي وبين التنكر للمواقف التي تستحق التقدير.
فالسياسة التي لا تعرف الوفاء تتحول إلى مجرد سوق للمصالح، والقيادة التي تنسى من وقف معها في أوقات الشدة تفقد جزءا من احترامها، حتى لو امتلكت كل أدوات القوة.
رحل معمر القذافي، وبقيت الأسئلة حول تجربته ونهايته ومواقفه. لكن بالنسبة إلى القضية الكوردية، سيبقى اسمه مرتبطا بموقف شجاع يستحق أن يُذكر، خصوصا أن التاريخ لا يُكتب فقط بأسماء المنتصرين، ولا ينبغي أن تكون مواقفنا رهينة لمن بقي في السلطة ومن خرج منها.
قد يختلف الناس في تقييم القذافي، وقد يختلفون في إرثه السياسي، لكن الوفاء يقتضي ألا ننكر موقفا شجاعا لمجرد أن صاحبه لم يعد موجودا، أو لأن العالم قرر أن يدير ظهره له. فالشعوب التي تنسى من وقف معها، تفقد جزءا من ذاكرتها، والوفاء ليس موقفا سياسيا مؤقتا، بل قيمة أخلاقية لا ينبغي أن تسقط بسقوط أصحابها.
أما فيما يتعلق بالشأن الداخلي الليبي وتجربة القذافي في الحكم، فلا أريد أن أكون بديلا عن الشعب الليبي، ولا أن أصادر حقه في تقييم تلك المرحلة بكل ما حملته من إيجابيات وسلبيات. فهذا حق أصيل للشعب الليبي وحده، وهو الأقدر على الحكم على تجربته السياسية وتحديد ما كان جيدا وما كان سيئا فيها.
لكن، وبعيدا عن المواقف السياسية والاختلافات حول تجربة القذافي، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الظروف التي كانت تعيشها ليبيا في عهده كانت، بمقاييس كثيرة، أفضل من حالة الانقسام والاضطراب وانعدام الاستقرار التي تعيشها اليوم. فليبيا تواجه الآن خطرا حقيقيا على وحدة شعبها وأرضها ومؤسساتها، وهو أمر يبعث على القلق والأسف، ليس فقط لدى الليبيين، بل لدى كل من يكن لهذا البلد وشعبه الاحترام والمحبة.
إننا لا نتمنى للشعب الليبي سوى الأمن والاستقرار والوحدة والازدهار، وأن يتمكن من تجاوز خلافاته وبناء دولة تحترم إرادة أبنائها وتحفظ كرامتهم وحقوقهم.
وأريد أن أوضح هنا أمرا مهما: إن صداقتنا واحترامنا للشعب الليبي لا ترتبط بشخص معمر القذافي، ولا بأي حاكم أو نظام سياسي، بل هي علاقة مع شعب عزيز نكن له كل التقدير والاحترام. لكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بالمواقف التي اتخذها القذافي تجاه شعوب وقضايا أخرى، ومن بينها القضية الكوردية.
فالتاريخ لا ينبغي أن يكون انتقائيا، ولا يجوز أن نمحو موقفا شجاعا لأننا نختلف مع صاحبه، مثلما لا يجوز أن نبرر الأخطاء لمجرد أننا نقدر بعض مواقفه. وهذه هي العدالة في قراءة التاريخ، وهذا هو الوفاء الحقيقي.
رحم الله الزعيم القذافي، وللشعب الليبي كل المحبة والاحترام. أما المواقف الشجاعة، فتبقى في ذاكرة الشعوب، حتى عندما يتنكر لها أصحاب المصالح.

من نفس القسم

كل الأخبار ←