مباشر الجمعة 25 سبتمبر 2026 عمّان 19° صحو
اخبار سما الاردن
بدعم من it.jo
عاجل
مقالات مختارة 25 سبتمبر 2026 — 9:51 م

حين تحدث الملك عبدالله الثاني… كان الأردن يتحدث

9a5fed23-5c5d-49ad-8d03-79dac9d19ad2

بقلم: د.هشام الوريكات
لم تكن كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين مجرد خطاب ملكي عابر، ولا كلمة دبلوماسية تضاف إلى سجل الخطب الدولية؛ بل كانت موقفاً أردنياً صريحاً، ورسالة سياسية واضحة، وصرخة في وجه عالم اعتاد أن يرى الأزمات تتراكم ثم يتعامل معها وكأنها قدر لا يمكن تغييره.
في نيويورك، وأمام ممثلي دول العالم، تحدث الملك بلغة لا تحتمل التأويل، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، مؤكداً أن استمرار إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من الوصول إلى حل حقيقي لم يعد مقبولاً، وأن ما يجري في المنطقة لا يمكن اختزاله في أرقام أو بيانات أو اجتماعات دولية مؤجلة.
كان صوت الأردن هناك واضحاً.
فلسطين ليست قضية قابلة للنسيان، وغزة ليست خبراً عابراً، والقدس ليست ملفاً يمكن تأجيله، والأردن ليس دولة يمكن تجاوز أمنها ومصالحها.
الملك يضع العالم أمام الحقيقة
من أقوى ما حمله الخطاب أن جلالة الملك لم يكتفِ بوصف المأساة، بل ذهب إلى أصل المشكلة: العالم اختار لسنوات أن يدير الصراع بدلاً من أن يحله.
وهذه ليست مجرد عبارة سياسية؛ إنها توصيف لواقع جعل أجيالاً كاملة تدفع ثمن غياب الحل، وأبقى المنطقة أسيرة دوامة من العنف والتوتر وعدم الاستقرار.
لقد قال الملك للعالم، بصورة مباشرة، إن استمرار النهج ذاته لن ينتج سلاماً، وإن معالجة النتائج وترك الأسباب لن يؤدي إلا إلى انفجارات جديدة.
وهنا كانت الرسالة الأردنية في غاية الوضوح:
لا يمكن صناعة السلام فوق الظلم، ولا يمكن بناء الاستقرار فوق التهجير، ولا يمكن أن يكون الاحتلال والحصار والعنف طريقاً إلى مستقبل آمن.
فلسطين… حين تصبح العدالة امتحاناً للعالم
القضية الفلسطينية حضرت في خطاب الملك باعتبارها اختباراً حقيقياً لصدقية النظام الدولي.
فإذا كانت القوانين والمواثيق الدولية وُجدت لحماية الإنسان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يصبح تطبيقها انتقائياً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين؟
هذا السؤال لم يعد أردنياً فقط، بل أصبح سؤالاً مطروحاً أمام العالم كله.
فالملك وضع المجتمع الدولي أمام حقيقة لا يمكن الهروب منها: إما أن تكون العدالة الدولية مبدأً عاماً، أو أنها تفقد معناها عندما تصبح خاضعة لموازين القوة.
غزة ليست رقماً في نشرات الأخبار
أحد أخطر ما يمكن أن يحدث في عالم اليوم هو أن تتحول المآسي الإنسانية إلى مجرد أرقام.
قتلى، جرحى، نازحون، منازل مدمرة، أطفال فقدوا مدارسهم وأسرهم ومستقبلهم.
لكن خلف كل رقم إنسان.
وهنا تأتي أهمية حديث الملك عن الانتباه باعتباره مورداً نادراً في عالم تتصارع فيه الأزمات على اهتمام الشعوب والحكومات والإعلام.
فحين ينصرف العالم عن أزمة، لا تتوقف المعاناة.
وحين يختفي الألم من شاشات الأخبار، لا يعني ذلك أن الألم اختفى من حياة أصحابه.
وهذه من أكثر الرسائل عمقاً في خطاب الملك: لا تسمحوا للوقت بأن يحول المأساة إلى أمر عادي.
الأردن لن يسمح بأن يدفع ثمن أزمات الآخرين
ولعل أكثر ما يهم الأردنيين في خطاب جلالة الملك هو الجزء المتعلق بأمن الأردن وسيادته.
فالملك كان واضحاً بصورة لا تقبل التأويل عندما أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، وأن الأردن لن يقف متفرجاً أمام ما يمس أمنه ومصالح شعبه.
وهذه الرسالة يجب أن تُقرأ جيداً.
الأردن دولة سلام، لكنه ليس دولة مستباحة.
الأردن يؤمن بالحوار، لكنه لا يقبل أن يكون الحوار غطاءً للمساس بأمنه.
الأردن يتمسك بالدبلوماسية، لكنه يعرف أن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ من احترام سيادة الدول وحقوقها.
والأردن الذي تحمل طوال عقود أعباء الأزمات الإقليمية واللجوء والنزوح والاضطرابات، له الحق في أن يقول بوضوح:
أمن الأردن خط أحمر، وحدوده خط أحمر، ومياهه ومصالح شعبه خطوط حمراء.
رسالة إلى من يعتقد أن القوة تفرض الحقائق
في خطاب الملك أيضاً رسالة بالغة الأهمية لمن يعتقد أن فرض الوقائع على الأرض يمكن أن يصنع سلاماً دائماً.
الوقائع المفروضة بالقوة لا تصنع شرعية.
والتهجير لا يصنع سلاماً.
والاستيطان لا يصنع استقراراً.
والحصار لا يصنع أمناً.
والقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تمنح شعوب المنطقة المستقبل الذي تستحقه.
فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى قوة تفرضه، وإنما إلى عدالة تحميه وحقوق تضمن استمراره.
القدس… أمانة لا تسقط بالتقادم
وعندما يتعلق الأمر بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، فإن الأردن لا يتحدث من موقع سياسي عابر.
إنها مسؤولية تاريخية وهاشمية راسخة.
والرسالة الأردنية في هذا الملف واضحة: القدس ليست ملكاً لمرحلة سياسية، ولا يجوز تغيير هويتها أو وضعها التاريخي والقانوني عبر فرض الأمر الواقع.
ومن هنا، فإن تمسك جلالة الملك بهذا الدور ليس تفصيلاً في السياسة الأردنية، بل جزء من هوية الدولة وموقفها التاريخي.
الملك يتحدث باسم الأردن… لكن صدى كلماته يتجاوز الأردن
اللافت في خطاب جلالة الملك أنه تحدث من موقع الأردن، لكنه خاطب ضمير العالم.
لم يقل إن مشاكل المنطقة تخص العرب وحدهم.
ولم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها شأناً إقليمياً يمكن للدول الأخرى أن تراقبه من بعيد.
بل وضعها في إطار أوسع: القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وكرامة الشعوب، ومسؤولية المجتمع الدولي.
وهنا تكمن قوة الموقف الأردني.
فالأردن لا يرفع صوته لمجرد رفع الصوت، وإنما يستند إلى تاريخ طويل من الدبلوماسية، وإلى موقف سياسي ثابت، وإلى رؤية ترى أن استقرار المنطقة لن يتحقق من دون حل عادل للقضية الفلسطينية.
الأردن الذي يعرف متى يتحدث
في زمن كثرت فيه التصريحات واختلطت فيه المواقف، جاء خطاب الملك ليقول إن هناك فرقاً بين الكلام السياسي وبين الموقف.
الموقف هو أن تقول ما تؤمن به أمام العالم.
والموقف هو أن تحافظ على ثوابتك عندما تتغير الحسابات.
والموقف هو أن تقول للحلفاء والخصوم معاً إن للأردن مصالح وحقوقاً وأمناً وسيادة لا يمكن تجاوزها.
وهذا تحديداً ما عكسه الخطاب الملكي.
لقد تحدث الملك بلغة الدولة الواثقة التي تعرف وزنها، وتعرف تاريخها، وتعرف مصالحها، ولا تسمح للاضطرابات الإقليمية بأن تدفعها إلى التخلي عن ثوابتها.
كلمة الملك كانت أقوى من مجرد خطاب
قد تختلف الدول في مواقفها، وقد تتباين الحسابات السياسية، وقد تتغير التحالفات، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:
الأردن يتحدث من موقع دولة دفعت ثمناً كبيراً نتيجة أزمات المنطقة، ومع ذلك لم يتخلَّ عن السلام ولا عن الدبلوماسية ولا عن القانون الدولي.
ولهذا كانت كلمة جلالة الملك في الأمم المتحدة رسالة إلى الجميع:
نحن مع السلام، لكن السلام العادل.
نحن مع الحوار، لكن الحوار الذي يحترم الحقوق.
نحن مع القانون الدولي، لكن القانون الذي يطبق على الجميع.
نحن مع الاستقرار، لكن ليس على حساب فلسطين.
ونحن مع العالم، لكن أمن الأردن ومصالحه وسيادته فوق كل اعتبار.
لقد وقف الملك في الأمم المتحدة لا ليطلب من العالم أن يسمع الأردن فحسب، بل ليذكّر العالم بأن الصمت على الظلم لا يصنع السلام، وإدارة الأزمات لا تحلها، وتأجيل الحقوق لا يلغيها.
وفي لحظة دولية تتراجع فيها الثقة بالمؤسسات الدولية وتتزايد فيها الأزمات، جاءت الكلمة الملكية لتضع السؤال أمام الجميع:
إلى متى سيبقى العالم يدير الأزمات بدلاً من أن يعالج جذورها؟
وهذا هو جوهر الرسالة.
رسالة ملكٍ يتحدث بثقة دولة، ويحمل همّ وطن، ويدافع عن قضية، ويضع أمن الأردن ومصالح شعبه في مقدمة الأولويات.
فحين تحدث عبدالله الثاني في الأمم المتحدة… لم يكن يتحدث عن الأردن فقط؛ كان الأردن كله يتحدث

من نفس القسم

كل الأخبار ←