الكاتب د. عزالدين عبدالسلام الربيحات
ليست كل العبارات التي تُقال في لحظات الشدة كلماتٍ عابرة، فبعضها يتحول إلى موقف، وبعضها يصبح عنوانًا لمرحلة كاملة من تاريخ الوطن. وحين قال جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، بلهجته الأردنية القريبة من قلوب الأردنيين: “رح نورجيهم”، لم تكن العبارة مجرد كلمات قيلت في لحظة غضب، بل حملت رسالة حزم وثقة بأن الأردن، بقيادته وشعبه وأجهزته الأمنية والعسكرية، لن يسمح للإرهاب بأن يهدد أمنه أو ينال من وحدته الوطنية.
جاءت هذه العبارة خلال زيارة جلالة الملك للمصابين في الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك، في مشهد جسّد قرب القيادة من أبناء شعبها في أوقات الألم والمحن. يومها، كان الموقف واضحًا: دم الأردني غالٍ، وأمن الوطن خط أحمر، وكل من يعتقد أن الرصاص والغدر قادران على إخافة الأردنيين أو شق صفهم لا يعرف طبيعة هذا الشعب، ولا يدرك معنى الانتماء إلى وطنٍ صاغ أبناؤه عبر تاريخهم معادلةً راسخة قوامها الوحدة والتضحية والوفاء.
“رح نورجيهم”… واليوم ورجيناهم. لم تكن الإجابة الأردنية مجرد شعارات تُرفع أو كلمات تُقال، بل كانت موقفًا يؤكد أن الدولة التي تعرف كيف تواجه التحديات لا تسمح للخوف بأن يتسلل إلى نفوس أبنائها، ولا تمنح المعتدين فرصة لتحقيق أهدافهم. فالأردن، بقيادته الهاشمية، يمتلك مؤسسات راسخة وأجهزة أمنية وعسكرية يقظة، ورجالًا نذروا أنفسهم لحماية الوطن وصون أمنه واستقراره، يعملون بعزيمة ومسؤولية، واضعين مصلحة الأردن وسلامة مواطنيه فوق كل اعتبار.
لقد أثبت الأردنيون، في مختلف المحطات الصعبة، أن وحدتهم أقوى من محاولات الفتنة، وأن نسيجهم الوطني لا تهزه الاعتداءات، ولا تنال منه محاولات بث الكراهية والانقسام. فالمسلم والمسيحي في الأردن شريكان في الوطن، يجمعهما تاريخ من الأخوة والتآخي والعيش المشترك، ولا يستطيع الإرهاب أن يبدل هذه الحقيقة أو يمحو جذورها الممتدة في وجدان الأردنيين.
أما الرسالة الأهم، فهي أن قوة الأردن لا تقوم على المواجهة وحدها، بل على تماسك شعبه، وثقة أبنائه بمؤسسات دولتهم، وكفاءة أجهزته الأمنية، وحكمة قيادته. فالأردن لا يبحث عن التهديد، لكنه لا يتهاون في حماية أرضه وشعبه، ولا يسمح لمن يستهدف أمنه بأن يفرض عليه الخوف أو يعبث بمستقبله.
نعم، قالها الملك عبدالله الثاني بن الحسين : «رح نورجيهم»… واليوم نقول: لقد أظهر الأردن، مرة بعد مرة، أن أمنه ليس مباحًا، وأن وحدته ليست قابلة للكسر، وأن من يراهن على ضعف الدولة أو تفرق أبنائها يخطئ الحساب. سيبقى الأردن قويًا بقيادته الهاشمية، متماسكًا بشعبه، محميًا بسواعد نشامى قواته المسلحة وأجهزته الأمنية، وستظل رايته عالية، عصية على الإرهاب والفتن، ماضية بثقة نحو المستقبل.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحمى نشامى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ورحم شهداء الوطن، وأبقى الأردن بيتًا واحدًا يجمع أبناءه على المحبة والوفاء والانتماء.