مروان التميمي ….
ليس كل ما يبنى في الأوطان يشيد بالحجر، فهناك ما يبنى بالثقة ويكبر بالإيمان ويترك أثره في أجيال لم تأت بعد. وحين اختار سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني أن يجعل من الشباب محور مشروعه الوطني، كان يضع يده على أثمن ما يملكه الأردن، ويرسم ملامح رؤية تتجاوز الحاضر إلى ما ينبغي أن يكون عليه الوطن بعد عشرين أو ثلاثين عاما.
لم يكن الرهان على الشباب جديدا في الخطاب الوطني، لكن الأمير الحسين بن عبدالله مضى به إلى ميدان العمل أراد للشباب أن يجدوا من يثق بعقولهم قبل أن يطالبهم بالإنجاز، ومن يفتح أمامهم الأبواب قبل أن يسألهم عن أحلامهم ومن هذه القناعة نشأت مؤسسة ولي العهد، لا لتكون عنوانا آخر للعمل المؤسسي، بل لتصبح أحد العناوين المضيئة في مسيرة بناء الإنسان الأردني.
واليوم، بعد عقد من تأسيسها، تبدو قيمة هذه التجربة أكبر من عدد المبادرات والبرامج التي أطلقتها. فقيمتها الحقيقية أنها تحمل رؤية أمير عرف أن أعظم ما يستطيع أن يقدمه لوطنه ليس أن يصنع المستقبل لأبنائه، بل أن يمنح أبناءه القدرة على صناعته بأنفسهم.
ولعل ما يمنح هذه الرؤية خصوصيتها أن الأمير الحسين ينتمي إلى جيل يعرف العالم الذي يخاطبه. يعرف أن المعرفة لم تعد ترفا وأن التكنولوجيا أصبحت لغة القوة الجديدة وأن الدول التي تحسن اكتشاف مواهب أبنائها تستطيع أن تتجاوز ضيق الجغرافيا ومحدودية الموارد. ولذلك لم يكن اهتمامه بالتعليم التقني والابتكار وريادة الأعمال مجرد استجابة لتحولات العصر، بل تعبيرا عن طموح مشروع لأن يكون للأردن موقع في صناعتها.
ومن يتأمل جامعة الحسين التقنية ومبادرات مؤسسة ولي العهد يدرك أن وراءها فكرة أعمق من التأهيل والتدريب. إنها محاولة لترسيخ ثقافة جديدة تجعل من الكفاءة طريقا للفرص ومن المبادرة قيمة ومن العمل والإنتاج عنوانا للنجاح. فالأردن لا تنقصه العقول المبدعة، لكنه يحتاج دائما إلى المزيد من الجسور التي تصل هذه العقول بميادين الإنجاز.
وفي شخصية الأمير الحسين ملمح يستحق التأمل، هو قدرته على الجمع بين هيبة المسؤولية وقربه الطبيعي من الشباب. فهو حين يلتقيهم لا تبدو المسافة بين موقعه وأحلامهم حاجزا أمام الحوار. يستمع إلى أفكارهم ويتفاعل مع طموحاتهم ويمنح حضورهم ما يستحق من اهتمام. وهذه ليست مسألة شكلية، فالثقة التي يشعر بها الشاب حين يجد من يؤمن بقدراته قد تكون بداية تحول كبير في حياته.
وقد استطاعت المؤسسة عبر سنواتها العشر أن تقدم نموذجا للعمل الوطني الذي تتكامل فيه المعرفة مع الانتماء، والمهارة مع المسؤولية، والطموح الفردي مع المصلحة العامة. فالغاية ليست إعداد شباب قادرين على المنافسة في سوق العمل وحسب، وإنما بناء جيل يدرك أن نجاحه الشخصي يكتسب قيمة أكبر حين ينعكس خيرا على وطنه ومجتمعه.
ولأن الأردن كان دائما أكبر من موارده وأوسع من حدوده بحضور أبنائه وعطائهم، فإن هذا التوجه يأتي امتدادا طبيعيا للنهج الهاشمي الذي جعل الإنسان أساس التنمية. وهو نهج يمضي به جلالة الملك عبدالله الثاني بثبات، ويضيف إليه ولي العهد روح جيله ولغته وأدواته، في تواصل بين الخبرة والطموح وبين أصالة الدولة ومتطلبات المستقبل.
غير أن أجمل ما في تجربة مؤسسة ولي العهد أنها لم تجعل الطموح حكرا على من يمتلكون الفرص سلفا. فالشباب في المحافظات والقرى والمدن يحملون من الموهبة ما يستحق الاكتشاف والرعاية، والفرصة حين تصل إلى صاحبها الصحيح قد تغير حياة أسرة وتفتح طريقا لمجتمع وتضيف إلى الوطن قصة نجاح جديدة.
وعند هذه النقطة تحديدا تتجاوز المؤسسة حدود برامجها لتصبح تعبيرا عن معنى أوسع للعدالة في الفرص. فالوطن القوي ليس الذي يحتفي بالمتميزين بعد وصولهم فقط، بل الذي يبحث عنهم في بدايات الطريق ويساعدهم على أن يبلغوا ما يستحقونه.
وعشر سنوات في تاريخ مؤسسة وطنية ليست زمنا طويلا، لكنها تكفي لترسيخ فكرة واختبار جدواها وفتح آفاق جديدة أمامها. وما ينتظر المؤسسة في عقدها الثاني لا يقل أهمية عما أنجزته في عقدها الأول، خصوصا في عالم تتبدل فيه المهن وتتسارع فيه ثورة الذكاء الاصطناعي وتتقدم فيه الأمم بقدر ما تنتجه من علم ومعرفة. وهنا تتجدد قيمة رؤية ولي العهد الذي يدرك أن إعداد شباب المستقبل ينبغي أن يبدأ قبل أن تفرض تحدياته نفسها عليهم.
إن الاحتفاء اليوم بمؤسسة ولي العهد هو في جوهره احتفاء بثقافة الثقة بالشباب، وبفكرة أن القيادة الحقيقية لا تكتفي بما تنجزه في حاضرها وإنما تقاس أيضا بما تتركه من قدرات وفرص للأجيال المقبلة.
لقد آمن الأمير الحسين بأن شباب الأردن يستحقون أكثر من كلمات التشجيع، وأن أفضل تعبير عن الثقة بهم هو أن يجدوا أمامهم طريقا مفتوحا للعمل والتعلم والابتكار. ومن هذا الإيمان اكتسبت المؤسسة رسالتها ومعناها، وأصبحت السنوات العشر الأولى شاهدا على رؤية تتطلع إلى ما هو أبعد من حدود المناسبة والاحتفال.
ولعل التاريخ حين يكتب عن هذه المرحلة لن يتوقف عند مؤسسة أكملت عشر سنوات من عمرها، بل عند أمير أدرك أن أعظم ما يتركه الإنسان لوطنه ليس ما يبنيه باسمه، وإنما ما يبنيه في نفوس أبنائه من ثقة وقدرة وإرادة.
وهكذا يمضي الأردن بقيادة ملك حكيم ورؤية ولي عهد طموح، راسخ الجذور شامخ الإرادة، مطمئنا إلى حاضره وواثقا بغده. فهنيئا للأردن بملكه الذي صان مسيرته، وبأميره الذي يعد أجياله لمواصلة هذه المسيرة. وما بين حكمة عبدالله وطموح الحسين تتجدد حكاية وطن لا يعرف التراجع، وراية هاشمية ستظل عنوان عزته وكبريائه.
مؤسسة ولي العهد.. رؤية الحسين في صناعة جيل يغير وجه المستقبل