د. محمد نايف شطناوي
تستحق الموهبة أن تجد مكانها في وطنها، وأن يُنظر إلى ما تصنعه بوصفه قيمة تستحق الاستثمار والاهتمام، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة افتتاح جلالة الملكة رانيا العبدالله للنسخة الرابعة من أسبوع عمّان للتصميم في هنجر رأس العين، فالمشهد يفتح سؤالاً أبعد من حدود المعرض، عن قدرة الأردن على تحويل إبداع أبنائه إلى قوة إنتاج، وعن المساحة التي نمنحها للأفكار كي تخرج من دفاتر أصحابها وتدخل في حياة الناس
في حضور جلالة الملكة رانيا بين أعمال المصممين والصنّاع، اعتراف بجهد قد لا يرى الجمهور منه سوى لحظته الأخيرة، بينما تقف خلفه سنوات من التعلم والمحاولة والإخفاق وإعادة البدء، وللاعتراف هنا أثره، إذ يمنح أصحاب المواهب ثقة بأن عملهم جدير بالاهتمام، ويضع أمام المؤسسات سؤالاً عملياً، كيف يمكن لهذا الاهتمام أن يتحول إلى فرص تتيح للمبدع أن يعمل ويتطور ويعيش من قيمة ما يصنعه
ويحمل شعار “تراكمات” مدخلاً ثرياً لفهم هذه القيمة، فالتصميم ينشأ من علاقة الإنسان بما حوله، من ذاكرة المكان، ومن معرفة توارثتها الأيدي، ومن مواد اعتدنا رؤيتها حتى جاء من اكتشف فيها احتمالاً جديداً، وكل عمل يستحضر هذه العناصر ويعيد تشكيلها يفتح حواراً بين ما ورثناه وما نستطيع إضافته، وفي هذا الحوار تتجدد الهوية وتكتسب قدرتها على الاستمرار
إن أخطر ما قد يصيب الموهبة هو أن تعتاد انتظار الفرصة، وأثقل ما قد يواجه الحرفة أن تبقى محصورة في الإعجاب بها، بينما يتراجع عدد القادرين على ممارستها، ولهذا فإن الاحتفاء بالإبداع يحمّلنا مسؤولية تتجاوز التصفيق، مسؤولية توفير التدريب، وتسهيل الوصول إلى أدوات الإنتاج، وبناء الصلات بين المصممين والصنّاع والمؤسسات والأسواق، فكل فكرة تجد طريقها إلى التنفيذ توسع قدرة المجتمع على العمل، وكل موهبة تُترك بلا أفق تضيق معها فرصة كان يمكن أن تنمو
وتكتسب إتاحة فعاليات أسبوع عمّان للتصميم للجمهور، وامتدادها إلى مواقع متعددة في عمّان وعراق الأمير والعقبة، معنى مهماً في هذا السياق، إذ تفتح باب اللقاء بين الإبداع والناس، وتتيح لشاب أن يرى احتمالاً لمستقبله في عمل معروض، ولطالب أن يكتشف مجالاً لم يعرفه، ولصانع أن يجد من يشاركه سؤال التطوير، ومن هذه اللقاءات الصغيرة قد تنشأ تحولات كبيرة، حين تصبح الثقافة قريبة من الحياة وقادرة على التأثير في خياراتها
وللأردن ما يستحق أن يبني عليه، في حرف أهله، وتنوع بيئاته، وخبرات شبابه، وقدرتهم على الابتكار رغم محدودية الإمكانات، لكن الاعتزاز بهذه القدرة يجب أن يقود إلى عمل يحميها من الاستنزاف، فالمبدع يحتاج إلى بيئة تمنحه حق التجربة، وإلى مؤسسات تدرك أن المعرفة والجمال والدقة يمكن أن تصنع منتجات وفرصاً وقيمة اقتصادية، وأن الاستثمار في الإنسان يبدأ بأخذ قدراته على محمل الجد
من هنا، يمكن النظر إلى المبادرة التي أُطلقت عام 2016 بمبادرة من جلالة الملكة رانيا باعتبارها مساحة للبناء على هذا الرصيد، وتبقى قوة أثرها مرتبطة بما يستطيع أن يستمر بعدها، من تعاون ومشروعات وفرص تعلم وإنتاج، فنجاح الحدث يتسع حين يحمل المشاركون منه طريقاً جديداً للعمل، وحين تجد الأفكار المعروضة من يساعدها على بلوغ مرحلة أخرى
لقد أعاد افتتاح جلالة الملكة رانيا وضع المبدع في واجهة المشهد، ويبقى علينا أن نمنحه مكاناً راسخاً في أولوياتنا، فالأردن الذي نريد أن نراه في المستقبل يحتاج إلى عقول تبتكر، وأيدٍ تتقن، ومؤسسات تفتح الطريق أمامهما، وقيمة الاحتفاء بالإبداع تبلغ مداها حين يصبح الوطن مكاناً يستطيع فيه المبدع أن يبني مستقبله، وأن يشارك في بناء مستقبل وطنه