بقلم: إسراء خالد بني ياسين
كاتبة وباحثة في الشأن التنموي
منذ انطلاق مسار التحديث السياسي في الأردن، أصبح الشباب في مقدمة الحديث عن تطوير الحياة الحزبية والمشاركة السياسية، باعتبارهم قوة أساسية في بناء المستقبل وتجديد المشهد السياسي.
لكن، وبعد سنوات من الحديث عن التحديث السياسي، والأحزاب، والمشاركة الشبابية، يبرز سؤال ربما يستحق أن يكون أكثر حضورًا في النقاش:
ماذا تغيّر في حياة الشباب؟
وبشكل أكثر تحديدًا: هل ساهم هذا المسار في الاقتراب من حل واحدة من أكبر مشكلات الشباب الأردني، وهي البطالة؟
لا شك أن وجود الأحزاب وتوسيع المشاركة السياسية يمثلان تحولًا مهمًا في الحياة العامة، وأن هناك برامج وتدريبات وحوارات عديدة تستهدف الشباب وتعزز حضورهم السياسي.
لكن النجاح لا يُقاس فقط بعدد الشباب الذين انضموا إلى الأحزاب، أو بعدد البرامج والندوات التي شاركوا فيها.
فالسياسة في النهاية يجب أن تنعكس على حياة الناس، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل قد لا يكون السؤال الأهم بالنسبة له: كم حزبًا أصبح موجودًا؟ بقدر ما هو: أين فرصتي؟ وكيف يمكن أن أبني مستقبلي؟
وهنا تظهر العلاقة المهمة بين التحديث السياسي والتحديث الاقتصادي.
فالأحزاب التي تريد أن تكون قريبة من الشباب مطالبة بأن تضع البطالة والتشغيل في صلب برامجها، لا باعتبارها شعارًا انتخابيًا، وإنما باعتبارها قضية تحتاج إلى حلول قابلة للتطبيق.
نحتاج إلى أن نرى برامج حزبية تتحدث بوضوح عن كيفية خلق فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع ريادة الأعمال، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتوسيع الفرص خارج العاصمة لتصل إلى المحافظات والألوية والبلدات والقرى.
فالشاب في أي محافظة أو لواء لا يريد أن يسمع فقط عن المشاركة السياسية؛ بل يريد أن يعرف كيف يمكن للسياسات التي تُطرح أن تساعده في الحصول على فرصة حقيقية أو بناء مشروع أو اكتساب مهارة تقوده إلى سوق العمل.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية البطالة، فهي قضية اقتصادية وتنموية أكبر من قدرة أي حزب منفرد.
لكن يمكن أن نسأل: هل أصبحت الأحزاب جزءًا من الحل؟
وهل تحولت مشاركات الشباب داخلها إلى أفكار وبرامج اقتصادية يمكن أن تصل إلى البرلمان والحكومة ومؤسسات صنع القرار؟
وهل أصبح الشاب الحزبي قادرًا على أن يكون صوتًا لقضايا جيله، وليس فقط عضوًا في هيكل تنظيمي؟
هذه الأسئلة مهمة لأننا لا نريد أن تتحول المشاركة الشبابية إلى مجرد أرقام جديدة تضاف إلى أعداد المنتسبين للأحزاب.
نريد مشاركة تنتج أفكارًا، والأفكار تتحول إلى برامج، والبرامج تتحول إلى سياسات، والسياسات تنتج نتائج.
ومن هنا يمكن أن نقيس أثر الحياة الحزبية بطريقة مختلفة.
ليس فقط:
كم شابًا انضم إلى حزب؟
بل:
كم سياسة جديدة ساهم الشباب في صياغتها؟
كم مشروعًا أو مبادرة اقتصادية خرجت من البرامج الحزبية؟
كم فرصة عمل أصبحت نتيجة لسياسات أو تشريعات دعمتها القوى السياسية؟
وكم شابًا استطاع أن ينتقل من مرحلة البحث عن وظيفة إلى مرحلة صناعة فرصة لنفسه ولغيره؟
هذه ليست دعوة لتحويل الأحزاب إلى مكاتب توظيف، وإنما دعوة إلى أن تكون البطالة واحدة من القضايا الأساسية التي تتنافس الأحزاب في تقديم حلول واقعية لها.
فالتحديث السياسي لا ينبغي أن يعيش في مساحة منفصلة عن الواقع الاقتصادي.
الشاب الذي نريده أن يشارك في الحياة السياسية هو نفسه الشاب الذي يبحث عن عمل، ويواجه تكاليف المعيشة، ويحاول بناء مستقبله، ويعيش في محافظة أو لواء أو قرية قد لا تتوفر فيها الفرص نفسها الموجودة في العاصمة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من مشاركة الشباب إلى تمكينهم، ومن الحديث عن البطالة إلى تقديم حلول لها، ومن البرامج النظرية إلى قياس أثرها الحقيقي.
ربما لم يعد السؤال فقط:
هل نجح التحديث السياسي في زيادة مشاركة الشباب؟
بل أصبح من الضروري أن نسأل:
هل استطاعت الحياة الحزبية أن تكون جزءًا من الحل لمشكلات الشباب، وفي مقدمتها البطالة؟
فإذا كان التحديث السياسي يريد بناء حياة حزبية مستدامة، فإن الشباب لن يقيسوا نجاحها بعدد المؤتمرات والندوات، وإنما بقدرتها على جعل صوتهم مسموعًا، وأفكارهم مؤثرة، وقضاياهم حاضرة في القرار.
وفي النهاية، لا يكفي أن نمنح الشباب مساحة للكلام.
المطلوب أن نمنحهم مساحة للتأثير، وأن تتحول مشاركتهم من عضوية إلى مسؤولية، ومن أفكار إلى سياسات، ومن سياسات إلى فرص.
فالشاب الأردني لا يريد أن يكون مجرد رقم في منظومة التحديث السياسي؛
يريد أن يكون شريكًا في صناعة مستقبله… وفرصته في هذا المستقبل.