هارون الرشيد والفتى الظريف

هارون الرشيد والفتى الظريف
2018-12-17
ياسين بني ياسين
نور بريك

في ضحى يوم مشمس من أيام فصل المطر، وجد هارون الرشيد نفسه يتجول مع حاشيته وخدمه وحرسه في بستان في طرف من  أطراف عمان، حاضرة الأردن. وفي أثناء تَجَوُّلهم، سمعوا غناءً شجيًّا يصاحبه عزفٌ نديٌّ على أوتار عود شرقيٍّ، نغمُه يشبه ذاك النغم الذي ينبعث من أوتار أعواد بغداد. فجلب الغناء الشجيُّ  انتباهَ الخليفة وانتباهَ جميعِ من معه، وشدَّ اللحن الجميل أسَمْاعَهُم.

استجابة لإيماءة من الخليفة الذي يعشق الغناء، توجَّه الجميع نحو الصوت القادم إليهم  من إحدى نواحي هذا الروض ذي البيئة الخَلَّابة. بحث الخليفة وحاشيته عن صاحب الصوت حتى اهتدوا إليه، فإذا هو شابٌّ بهيُّ الطَّلَّة، حسن الطَلْعَة، يجلس على بساط عجميٍّ تحت شجرة من أشجار البستان وارفة الظل، في ركن جميل منه، وحوله كل شيء يحتاج إليه في تلك الجلسة الهادئة. وكانت ملامحه تشي بأنَّ دماً عراقيا يجري في عروقه.

وقف هارون الرشيد ومن معه يستمعون بكثير من الاهتمام للشاب اليافع الوسيم، وبكثير من الإعجاب بعَزْفِهِ وغنائِهِ وصوتِهِ، إذ كلها - مجتمعة أو منفردة - كانت تُطرِبُ الآذان، وتُحرِّكُ المشاعر، وتُنْعِشُ الأحاسيس.

رأى الشابُّ مَنْ رأى من الناس حوله، فأدرك أن هذا الجمع ليس من عوام الناس، وعرف أن هؤلاء النفر ما هم إلا  الخليفة وحاشية الخليفة؛ ومع هذا فإنه لم يفزع، ولم يضطرب، ولم ترتعش له جانحة، ولم يتحرك من مكانه، إذ لم ترهبه هيبة الخليفة، ولا أفزعته أبهة السلطان ولا أخافته كثرة عدد حاشية السلطان.

عجب هارون الرشيد ومن معه لذلك، وبدأوا يطالعون بعضهم بعضا، تعجبا واستغرابا من عدم مبالاة هذا الغلام.

نعم! بقي الشاب يعزف ويغني، دون إحساس برهبة أو شعور بهيبة. وبعد لحظات نسي الحضور أنفسهم، وبدأ الخليفة ومن معه يُعجَبون به، ويهزّون رؤوسهم، ويصفقون بأيديهم، ويوقعون على الأرض بأقدامهم، حتى انتهى من النغم الذي كان فيه، فتوقف عن العزف والغناء.

عندما انتهى هذا الفتى اليافع من غنائه، ناوله الخليفة هارون الرشيد ورقة جديدة زرقاء اللون (مكتوب عليها 'عشرة دنانير' باللغة العربية، وعليها كلمات أخرى بلغة لم يفهمها)  تقديرا له على ما شنَّف آذانهم به من لحن وغناء لساعة وبعض ساعة.

بشيء من التأمل نظر الشاب هنيهة إلى يد الخليفة، وهي تقدم له الأعطية التي - حالما وقعت عينه عليها - عرفها معرفة فيها كثير من الحميمية. تحركت نوازعُ الطمع في داخله، والرغبة في أخذها بدأت ترتسم بوضوح  على مُحيَّاه؛ لكنه سرعان ما اختلفت حاله، واحمر وجهه، فأحجم عن ذلك، وبدت عليه علامات التردد والانكماش وعدم الرضا واضحة لا تحتاج إلى أي دليل.

انتهره أحد أفراد الحاشية وطلب منه أن يمد يده لأخذ هبة الخليفة، فأعطيات الخلفاء والأمراء لا تُرد. لكن الشاب رفض باعتذارٍ  اتضح فيه الأدب المتكلف، ممزوجا بنبرة ترشح من نغماتها كل أمارات  المكر والحيلة والدهاء.

انبرى أحد المرافقين، فسأل الفتى عن هذا الإحجام الذي لا يليق بمثله كشاب تبدو  عليه سمات التهذيب وعلامات الأدب، وعن هذا الانقباض الذي لا يجوز لمثله أن يبديه بين يدي الخليفة.

اضطرب الفتى قليلا، ثم قال مُتلعثِماً: "يا سيدي ومولاي ووليَّ نعمتي، أميرَ المؤمنين: اخاف، يا مولاي، إن قبلت الأعطية أن يسألني الناس عن مصدرها، وكيف حصلت عليها، وهم يعرفون حالي أكثر مما أعرف أنا!

فقال له هارون الرشيد : "أرح نفسك، وقل لهم أعطانيها الخليفة"!

قال الشاب: "عفوَك، يا أمير المؤمنين! إنهم لن يصدقوني ولو أقسمت لهم، ولن يسمعوا لي مهما حاولت؛ ولسوف يظنون بي الظنون. إنهم سيقولون لي إن الخليفة  كبير كريم، والأُعطية على قدْر المعطي؛ وهذه ليست أعطيةَ كبارٍ كرماءَ، فالخليفة أكبر من أن تكون أُعطيته هذه الورقة التي تكاد تكون بلا قيمة تذكر، وهو أكرم من ذلك. أما إن صدقني البعض منهم، فسوف يلوك هؤلاء سمعة أمير المؤمنين بأفواههم، وسيسلِقونه بألسنة حداد. ومن ثَمَّ سيتبعهم آخرون، اقتداءً بهم وتقليداً لهم، كما هي حال الناس هذه الأيام. وهذا ما لا أرضاه أنا، ولا أتمناه لأمير المؤمنين، ولا يرضاه أحد منكم، أيها العقلاء!" موجها ناظِرَيْه، بالعبارة الأخيرة، نحوَ حاشية الخليفة.

فابتسم هارون الرشيد ابتسامة عريضةً، متعجبا من دهاء المتكلم وسعة حيلته وسرعة بديهته،  وناوله ثَمَّة كيسا فيه دنانير ذهبية، وأمر له بفرس مسروجةٍ، ومعها عنانها ولجامها وكامل عدتها، مكافأةً له على ما بدر منه من حسن عرضٍ لما دار في خَلَدِه، وتقديرا له على ما تفوه به من كلام رأى أنه يليق بمقام الخلفاء!

عندما رجع هارون الرشيد الى قصره، حكى القصة كاملة إلى وزيره الفضل بن جعفر البرمكي، ووصف له الفتى وصفا دقيقا كاملا. فأدرك جعفر - ببديهته السريعة وفطنته البيِّنة ومعرفته بالناس - من يكون ذلك الفتى العجيب، لا سيما أنَّ جولة الخليفة كانت في أحد بساتين عمان، في ولايةالأردن. فسأل الوزيرُ الخليفةَ: "هل عرفته، يا أمير المؤمنين؟"

فرد الخليفة بأنه لم يعرفه، وأنه ما كان ليعرفَه، لأنه لم يكن قد رآه، ولا سمع به، ولا علم عنه من أحدٍ، من ذي قبل.

فابتسم الوزير وقال: "يا أمير المؤمنين! ذلك الشاب هو ابننا عمر ولد المرحوم منيف الرزاز، وهو الذي أخبرتنا الكتب أنه قريبا ما سيصبح رئيسا لوزراء ولاية الأردن، وهو الذي سيرهق الأردنيين بالضرائب والرسوم وكل وسائل الجباية وأساليبها، كما أرهقها بذلك كل من سبقوه إلى هذا المنصب!"

فضحك الخليفة حتى كاد أن يستلقي على ظهره، وقال باستغراب ودهشة: "إذن، لقد استغفلني هذا الغلام، تماما كما سيستغفل الأردنيين ويتعبهم بكثرة الضرائب والرسوم والجبايات وغياب الخدمات!"

ثم أردف الخليفة متمِّماً حديثه: "لكأنَّ هذه سِنَّةٌ درجت عليها الحكومات الأردنية المتعاقبة منذ البدايات، وعلى غير ما عهدوه بنا وعرفوه عنَّا، وهم يعلمون علم اليقين أننا نخاطب السحابة أن تسير أنَّى شاءت، لأن خراجها سوف يأتينا!"

في تلك الأثناء بدأت تنتشر في الجو جلبة أصوات، يرافقها نواح وصياح وعويل، ففزع الخليفة وهم بالقيام ليستطلع الأمر، وإذا بيده ترفع اللحاف عن لحيته، وتمتد بعفويَّةٍ لتمسح جبينه المتصبب عرقا من هول ما رأى وسمع. وعندما نظر حوله وجد نفسه ما زال  في بغداد؛ فحمد الله وأثنى عليه، وتمتم، قائلا لنفسه: "ولاية الأردن بخير، إن شاء الله!"، وعاد ليكمل ما تبقى من نومه حتى يطلع عليه النهار!!!!

تعليقات القراء

تعليقات القراء