أنا غاضب، أيها الناس!

أنا غاضب، أيها الناس!
2018-12-29 17:05:40
ياسين بني ياسين

خاص سما الاردن | أنا غاضب - غَضَبَ أيٍّ منكم - لهول ما أرى وأسمع وأنا أجوب الطرقات، وأتجول في الأسواق، وأتحرك بين الناس، لأستطلع خبرا، أو أؤدي واجبا، أو أنجز عملا، أو أفي بموعد، أو ألتقي صديقا، أو أزور قريبا، أو أعود مريضا، أو أقضي حاجة، في مكان ما، لي أو لأبنائي وبقية أهل بيتي.

أنا غاضب لما أشاهد من مصائب الناس، وما أرقب من معاناتهم، وما أسمع من شكاواهم، وأنا أتواصل معهم وأتحرك بينهم في ما تقتضيه مني متطلبات الحياة اليومية، وفي أثناء ما أستطيع توفيره من وقت - يسيرا كان أم عسيرا - لقضاء هذه المتطلبات، الضروري منها والعادي على حد سواء. 

أجل! أنا غاضب لرؤية الناس - ساهمين واجمين مضطرببن - يمشون في الشارع وهم يكلمون أنفسهم بسبب ما هم فيه من ضيق عيش، وسوء حال، وتعاسة حظ!! كل هذا وضباب اليأس يُغَشِّي عيونهم، وغيوم البؤس تحجب عنهم رؤية الأشياء من حولهم كما يمكن أن يروها، لولا ما هم فيه من شدة وضنك!!!

أنا غاضب لأن مؤسسات هذا البلد الاقتصادية لدى القطاع الخاص تئن من وطأة الأوضاع غير المبَشِّرة في هذا البلد. وعندما تسأل أيًّا من أصحابها، أو القائمين عليها، عن حالهم، يقول لك بحسرة: "خليها على الله". 

أنا غاضب عندما أرى هؤلاء الساهمين الواجمين الساعين في كسب ما يستطيعون من معاشهم، وهم يثورون لأي سبب، فتضطرب جوانحهم، وتهتز جوارحهم، وتضعف أعصابهم، وتتكدر خواطرهم، لأن  هموم الحياة تثقل نفوسهم، وأعباؤها الجسام ترهق أجسادهم.

أنا غاضب لأنني، في لحظة ضعف ألمَّتْ بي، صرخت بوجه طفل دهمني راجياً آملاً متوسِّلا، قائلاً: " يا عمِّ! اشترِ مني علبة محارم"!! نعم! تسرّعْتُ، فصرخت بوجهه، وقلت له ما قلت لأنني - حقًّا - كنت متعبا مما يدور في رأسي من هموم أرى دواعيها ماثلة أمامي في كل حركة من حركات الناس أو سكنة من سكناتهم. قلت له ما قلت لشدة قَهري على وضعه المثير للشفقة، وصرخت فيه صرخة أيقنت أنها جرحته، وما صرخت إلا لبالغ تألمي له ولمن هم مثله لما هم فيه من تعاسة.  وسرعان ما حاولت أن أخفف عن نفسي وعنه، فراجعت نفسي فيه، ورجعت إليه، وزرعت على رأسه قبَْلْة أودعتها كل ما استطعت من أحاسيس الأسف والألم، وقدمت له ما أسعفتني به مشاعري من عبارات الاعتذار والندم. ومع قُبلتي واعتذاري زفرتُ لحاله زفزات شعرت أنها ألهبت صدري!!

أنا غاضب عندما أجد طفلا في الثانية عشرة من عمره، أمام أحد المخابز، يحمل صندوقه الصغير ليبيع مافيه، قبيل منتصف الليل، وعندما أسأله عن المدرسة في اليوم التالي يجيبني بأن جدته، التي يعيش هو وأمه الأرملة وإخوته الثلاثة في بيتها، تشترط عليه أن لا يعود قبل بيع كل ما تعطيه. 

أنا غاضب لما ينتابني من التفكير في ذلك الشاب الذي أتى إليَّ على استحياء وقادني إلى جانب من المكان الذي كنا فيه، وقال لي: "أرجوك، يا عمِّ، أن تعطيني إيجار الطريق إن استطعت، لأنني أضعت فلوسي، وليس معي ما أستطيع به العودة إلى بلدي". وفي الواقع أنا غاضب لأنني أنا أعرف أنه لم  يكن قد أضاع شيئا، لكنه لم يستطع أن يقول لي بصريح العبارة: "والله، يا عمِّ، لا أملك درهماً يُمَكِّنُني من شراء ما أسد به رمقي"!! قال لي ما قال، وعيناه مكسورتان، لأنه ما يزال يحس بشيء من الكرامة تجري في عروقه وفي دخيلة نفسه تمنعه من قول الحقيقة المرة كما يجب أن تقال.

أنا غاضب لحال تلك المرأة الشابة وهي تحمل ورقة تقول إنها تقرير طبي باسم طفلتها التي تعاني من مرض يحتاج علاجه إلى مبلغ من المال لا تملك منه شيئا. وفي الواقع فإن هذه المرأة، بالرغم مما تقوم به، فإنها قد تملك من الشرف ما لا يمكن أن يحيط به وصف، لأنها في حقيقة أمرها ربما تريد أن توفر لابنتها هذه، أو لصبيتها الجياع، ما وفره لمثلهم عمر بن الخطاب، وهو يتفقد أحوال رعيته دون إعلام أو وسائل تواصل اجتماعي تتحدث عن زيارته. 

أنا غاضب لرؤية ذلك السائق الذي يقود سيارة التاكسي وعمره يتخطى عتبة السنةالخمسين، ولا يعرف من الراحة إلا قليلا، ذلك الكهل الذي يقود سيارته طيلة النهار وبعضاً من الليل لكسب ما يمكن أن يؤمن له النزر اليسير من قُوْتِه وقُوْتِ أبنائه وبناته الذين "تكوموا" في البيت بعد تخرجهم من الجامعات، فيقيم به أودهم ويطفئ غِلَّتَهم، فأراه يمسح جبينه بمِنديل يبقيه في متناول يده، وأظنه يمسح دموعا، لا عرقا، من سوء ما وصلت إليه أوضاعه وأوضاع الشبيبة الذين رباهم بدم القلب وعرق الجبين.  وفوق كل هذا  أعرف منه أن ظهره يؤلمه أشدَّ ألم، لكنه مضطر لما هو فيه من جهاد يومي مستمر من أجل من ينتظرون عودته على أحر من جمر الغضى.

أنا غاضب لحال ابن أحد أصحابي الذي ينام إلى ما بعد غروب الشمس من كل يوم، لأنه فقد الأمل بالحياة الكريمة! فضعف، وهان على نفسه، وهانت لذلك الحياة كلها، بل الدنيا كلها، في عينيه. والكل من حوله يقولون له: "الانتحار حرام"! فقرر أن ينتحر "بطريقة حلال". فينام حيث يصحو الناس، ويصحو حيث ينامون، فلا يراهم ولا يرونه إلا لُماما. 

أنا غاضب لردة فعل ذلك الشاب، "الذي يكاد أن يفوته القطار"، والذي إذا سأله أحدهم لماذا  لم يتزوج حتى هذه السن، يبتسم تلك الابتسامة التي تُقطِّعُ نياط القلب، ويقول:  "إن شاء الله قريب"، وهو لا يمتلك  ثمن "قوت يومه".

أنا غاضب لمرأى تلك الفتاة التي  تكلف نفسها باللبس والكلام ومتطلبات "الموضة" وترتيب المظهر، لكي تلفت نظر شاب يمكن أن يصبح زوجاً، لأن أهلها ملُّوها، ولأن المجتمع يحاسبها - بنظراته الغريبة - على كلِّ ما هي فيه من تعاسة وشقاء!!

أنا غاضب عندما يناشد إمام المسجد الناس لجمع ما تجود به أنفسهم لشخص مريض لا يجد تكاليف العلاج، أو لطالب لا يستطيع دفع الرسوم الجامعية الباهظة، أو لعائلة "مستورة" أنهكها الفقر والعِوز. 

أنا غاضب لأنني أرى ساحات الجوامع والأماكن العامة تزدحم بمن يمدون أيديهم يتكففون الناس، ليتمكن الواحد منهم من دفع رسوم الجامعة عن واحد أو أكثر من أفراد العائلة، أو دفع  إيجار البيت الذي يأوي وأطفالَه إليه، أو دفع قيمة فاتورة الماء أو الكهرباء، أو دفع ثمن الطعام الذي يسد به رمق الصبية الذين ينتظرون عودته بفارغ الصبر، وهم لا حول لهم ولا قوة، ولا ذنب لهم إلا أنهم قدموا إلى هذه الدنيا الفظَّة دون أن يُستَشاروا أو أن يكون لهم خيار.

أنا غاضب وأنا أسمع أبناء هذا البلد - في الساحات العامة - يستجدون باللهجات العربية التي ابتُليت شعوبها بمكائد المُستعمِرين الحاقدين وتواطؤ الأعراب المتآمرين؛ يستجدون بتلك اللهجات إما لخجلهم من أن يُظهروا هويتهم الحقيقية أو ليستدروا المزيد من عطف ذوي القلوب الرحيمة بهذه اللهجات.

أنا غاضب لأن السجون (وليس مراكز الإصلاح، كما يسمونها) تعج بمرتاديها - ذكورا وإناثا - نتيجة الفقر والطفر، ونتيجة الشيكات المرتجعة التي لم تلجئهم إليها إلا الحاجة التي لا يعلم بها إلا الله، سبحانه وتعالى، وأصحابها.

أنا غاضب لأن الغالبية الساحقة من شبابنا عاطلون عن العمل بالرغم من التأهيل المناسب الذي حصَّلوه قبل العديد من  السنوات.

أنا غاضب عندما أرى أطفالا في عمر الورد يتحملون مسؤوليات كبيرة تنوء بها عواتق الكبار، وهم يعملون تحت أقسى الظروف وأشدها وطأة لتأمين شيء من متطلبات العيش الكريم. والله وحده العالم بعدد مَن  يُستغَلُّ  من هؤلاء الأطفال وكيف يُستٌغَلُّون!! 

أنا غاضب من ارتفاع نسب النحر والانتحار في السنوات الأخيرة، إما اقتضاء لدَيْنٍ مستحق، أو هروبا من الواقع الذي يعيشه هؤلاء الناس، أو احتجاجا عليه، أو لعدم القدرة على مواجهة متطلبات الحياة بأبسط صورها.

أنا غاضب لأن رواتب الناس - عاملين ومتقاعدين - اسم بدون مسمًّى حقيقيٍّ، فهي لا تكفي أصحابها لتلبية عشر معشار الأساسيات التي تستلزمها ظروف الحياة، فضلا عن تلبية أيٍّ من الكماليات التي يسمعون بها ولا يرونها.

أنا غاضب لأن كل مقدرات بلدي وخيراته قد بيعت بأرخص الأثمان بحجة تحسين الأوضاع العامة، ومع هذا، فإننا في كل مرة يحصل فيها شيء من هذا نجد أنفسنا "نحرث في البحر": فالخدمات المقدمة متخلفة، والمرافق متهالكة، والمديونية بازدياد مستمر، والبطالة لا يبدو أنها ستقف عند حد.

أنا غاضب لأن أزماتنا المالية والاقتصادية والإدارية والسياسية والتربوية والتعليمية كلها يجري حلها باللقاءات والتصريحات والوعود التي "لا تسمن ولا تغني من جوع". وعندما تنقر على الفَخَّار يظهر لك عيبُه. 

 أنا غاضب لأننا - عند تولية المسؤوليات وإسناد الأمانات - نضع الرجل "غير المناسب"  في المكان "غير المناسب"، وبعدها "لا رقيب ولا حسيب". 

أنا نفسي غاضب على نفسي، وغاضب من أحاسيسي، وغاضب من مشاعري، فأنا لست قادرا على أن أطيق أي شيء أواجهه مما يرهق بدني، أو يثقل  كاهلي، أو تئن تحت وطأته نفسي، في وطني الذي أحب حدَّ الهيام. أنا الذي كنت، وما زلت، أعشق تراب بلدي وأتمنى له، من أعمق أعماق قلبي، أن يكون هو الجنة التي وعد الله بها عباده المؤمنبن.

أنا غاضب على دور الإعلام، وبخاصة منه الرسمي في بلدنا الحبيب، هذا الإعلام الذي ما زال يشدو في وادٍ، والناس وهمومهم في وادٍ آخر بعيد. ودور الإعلام أسمى من أن يُختزَلَ في الأهازيج والحديث عن مواضيع لا تمس الواقع ولا تلامس هموم الناس. 

أنا متعب موجوع من الألم الذي يعتصرني وأنا أراقب حال أبناء بلدي وبناته جميعا، وأعاين ما هم فيه من يأس وإحباط وفقر وفقدان أملٍ بأي مستقبل واعد.

ولكل هذا وغيره فأنا ساخط، حاقد على تلك الشلة من الانتهازيين الذين أوصلونا - كلنا - إلى ما نعاني منه من كآبة وحزن ويأس وإحباط، وأوصلوا الوطن إلى ما هو فيه من أزمات خانقة في كل مجال من مجالات الحياة؛ كاره لهم ولكل ما يقولون وما يفعلون!! فهم، ومعهم من يشد على أيديهم، سبب كل هذه المآسي والمصائب والنكبات. وكلما كلمتَ أحدهم، أدار تلك الأسطوانة المشروخة، فألقى باللوم على الأوضاع السائدة في المنطقة بشكل عام. 

فبدلا من أن يكون هذا البلد حصنا حصيناً يصمد في وجه كل التحديات، وطودا شامخا يتصدى لكل الأعاصير، وطنا للعروبة ومركزا تدور حوله كل مكونات الوطن الكبير، كما حلمنا في يوم من الأيام، فإن هؤلاء حولوا مَن فيه إلى شعب يلهث وراء لقمة الخبز فلا يدركها إلا بشق الأنفس  في كثير من الأحيان. 

وهنا أقول لمن بيده الحل والربط: إن كان هؤلاء الناس صادقين (وأظنهم صادقين) في شكاواهم وحاجاتهم، فأين الأمانة في حمل المسؤولية وتسنم زمام القيادة؟ وإن كانوا كاذبين (وأستبعد أن يكون أكثرهم كاذبين)، فأين الحكمة في التربية والتوجيه والإدارة الصحيحة؟

أيها الناس:

أبَعْدَ كل هذا ومثله، ألا يحق لي أن أغضب؟ ألا يحق لي أن أسخط؟ ألا يحق لي أن أرفض كل حامل مسؤولية ضعيفٍ، متهاونٍ، مقصَّرٍ، متخاذل، لا يهمه إلا مكتسباته وملاهيه؟

وسلام عليك يا وطني الحبيب!!!

  فلن أرضى سوى وطني بديلا
        فحسبي ذاك من وطنٍ شريف

 

تعليقات القراء

تعليقات القراء